|
مرت الأيام وهو
يصبر ويصابر، ويشجع
أهله ورفاقه يمنيهم بقرب الفــرج بإيمان قوى وعزيمة جبارة لا
تعرفان اليأس، حتى كانت
الثورة الفرنسية التي أطاحت بالملكية وأعلنت الجمهورية سنة 1848 " والتي
طلب زعماؤها من أسيرهم أن يكتب لهم تعهدا بالأصالة عن نفسه وأتباعه،
بعدم العودة إلى
الجزائر فكان لهم ما أردوا، وبعد انتظار طويل وصله الرد مخيبا
للآمال، هذا نصه:"
إن الجمهورية لا ترى نفسها مقيدة بأي التزام لعبد القادر وإنها
تعتبره كما تركته
الحكومة الفرنسية أسيرا " . وكان الرد صدمة
قوية للأمير تحملها بجلد، وعلم
أنه أمام عدو لا يعرف للكلمة قدرا، ولا للشرف وزنا، ولا للعهود
والمواثيق
اعتبارا، لذلك فقد شعر أنه سيكون أسيرا مدى الحياة وأسلم أمره للقدر
يفعل به ما يشاء، ووضع
رقابة ذاتية تضبـــط عواطفه التي كانت حتى الآن ثائرة، وعادت
عظمة نفسه إلى سموها
المعتاد
." ولم يلبث الأمير
طويلا في أسره " بطولون" حتى نقل ومرافقوه إلى
سراية بــوPAU" عند الحدود
الفرنسية الإسبانية وظل الأمير الأسير متنقلا بين السجون
الفرنسية فمن طولون إلى بو إلى بوردو-BAURDAU ومنها
إلى نانت-NANTE ليستقر
به المقــام الأخير في قلعة أمبواز - AMBOISE والحكومة
الفرنسية لم تفتأ تراوده
وتغريه بالوعـود ليتنازل عن حقه في الذهاب إلى المشرق، لكن
القائد الأمير ظل كما
عهدناه رافضا كـل المغريات، فإما أن يطلق سراحه، أو يقضى نحبه
ويكون في ذلك العار
لفرنسا للأبـد، ولنستمع إليه وهو يؤكد هذه الحقيقة الثابتة " لو
جمعت فرنسا سائر
أموالها، ثـــم خيرتني بين أخذها وأكون عبدا، وبين أن أكون حرا
فقيرا، لاخترت أن أكون
حـــرا فقيرا، فلا تراجعوني بمثل ذلك الخطاب فإنه ليس عندي بعد
هذا الخطاب جواب، وإلى
الله ترجع الأمور" .
تألم الأمير
عبدالقادر وسلم أمره لقضاء الله فالأسر سيطول، ولذلك
فعليـه أن يفكر في أمر يشغل به هذا الفراغ الرهيب، فانطلق بنفس مؤمنة
قوية "
يتفرغ لما اختار
من الموضوعان العلمية من قبل في قلعة أمبواز فحولها إلى خلية نحل
للدراسة وداوم مدة
خمس سنوات على التدريس والإفاضة والبيان والتثبت لإفادة خاصته
البالغين نحو
ثمانين فردا وهكذا وجد الأمير عزاءه بين الكتب والعلوم والعبادة،
ووضع لنفســـه وأتباعه
نظاما زمنيا صارما، فأوقاته مضبوطة بدقة وموزعة على هذه الأمور،
وبذلك لم يشعر
بثقل أيام الأسر اللعينة،" واستطاع عبدالقادر أن يقرأ السنوسية
في التوحيد مثلما كان
قد قرأها أثناء الاشتغال بالمعارك الحربية ....وقرأ على أصحابه
أكثر
مدونات الفقه المالكي
شهرة بالمغرب عامة وتلمسان خاصة، وهي رسالة الإمام ابن
أبي زيـد القيرواني وغيرهما، كما قرأ الأمير على رفاقه صحيح البخاري
وكتاب الشفــاء للإمام
عياض
". وإلى جانب التدريس
وحلقات العلم، والقيام بأمر العبادة استطاع
الأمير أن يؤلف في هذه الفترة العصيبة في سجنه كتابه " المقراض
الحاد لقطع لسان
الطاعن في ديـن الإسلام من أهل الباطل والإلحاد"وقد اعتبر هذا
المؤلف أشبه ما
يكون "بالمنشور السري الثوري ضد ديكتاتورية فليب الثاني هذا الذي
حظر على الناس
البوح بآرائهم ولم يعطي حق التصويت إلا لأقل من واحد بالمائة ". وأيقنت
فرنسا أنها أمام رجل عظيم حقا لا يلين له عضد، ولا تجدي معــــه
الدسائس
والمؤامرات فانقلب كيدها إلى نحرها، فعبد القادر كما عهدته من قبل،
بـــل أقوى وأشد بأسا،
لقد عرفته رجل حرب جرعها مرارة الهزيمة مرارا في الجزائـــر
لتفاجأ به رجل قلم وفكر
في فرنسا ذاتها، فيالسخرية القدر. وعن طريق هذه
النافذة الثقافية دلف إليه
العلماء في منفاه في فرنسا وطــلاب المعرفة وكثرت محاوراته
ومراسلاته واستطاع
الأمير بذلك أن يسبق غيره بفتح عصـر المناظرات والمجادلات
العلمية بين
المسلمين وأهل الديانات الأخرى، بعد أن أغلقـت
أو كادت أن تنتهي
مع نهاية الحروب الصليبية " وقبل أن تنشب بعشرات السنين، فــي
عنفوان عصور
الاستعمار بين " الأفغاني ورينان " وبين " محمد عبدو ولوبــون
ودي هانوتو وبريليتو"
ثم بين قاسم أمين وداركور " وإلى جانب هذه
المحاورات نظم الأمير كثيرا من
قصائده الشعرية التي جادت بها نفسه الأسيرة في معتقله بأمبواز،
وخاصة قصائده في
الشكوى والحنين للأهالي إلى جانب بعض المقطوعات أو المساجلات
الشعرية في سبيل
التفكه والشكر وأشهرها تلك التي كانت بينه وبين الشيخ الصوفي
محمد الشاذلي
القسنطيني. وعلى هذا النمط
سارت حياة الأمير الأسير بأيامها ولياليها، وعبد
القادر لم يزل المقاتل العنيد" وكلما حدث من أمره هو أنه استبدل
سلاحا بسلاح ولاقى
كل موقف بما يناسبه من السلوك، وانتقل من سطوة الإمارة بالجزائر
إلى ظلم السجن
ووحشته وهو على حاله من طلب العلم وإيتائه بكل وسيلة، وأصبح
العالم المتفرغ للعلم بعد
أن كان العالم المشتغل بالحكم" . وتوالت الأيام
والليالي حتى كان الـ 2 من
محرم 1269 هـ / 17 اكتوبر 1852 حين زار البرينس لويس نابليون-LOUIS NAPOLION
الأمير في سجنه
وعلى الرغم مـن العراقيل والصعوبات التي وضعت أمام هذه
الخطوة بغرض عدم اتمام الزيارة، ولكـن نابليون كان مصمما" فضرورة
انقاذ الشرف
القومي، الذي طال تلطيخه بإخلاف الوعد سيطرت على عقله فوق جميع
الاعتبارات
الأخرى
". وخلال هذه الزيارة
أثنى نابليون على الأمير ومدح فيه خصائل الصبر
والتجلد التي أبداها خلال فترة أسره بإطلاق سراحه مشترطا عليه إلا
يفكر مطلقا في العودة
إلى الجزائر فكان لنابليون ما أراد، ودعي الأمير إلى باريس
فدخلها في 14 محرم 1229
هـ/ 28 اكتوبر 1856 م، وقد أقيم له استقبال رسمي حار وفيه قدم
الأمير تعهــده
بالكتابة بعدم العودة أبدا إلى الجزائر ومما جاء فيه مايلي:
"
إنني جئت لأقسم لك
بالله العظيم وبكل الأنبياء والرسل أن لا أفعل شيئـا
يتنافى مع الثقة التي وضعتها في، وعلي أن التزم بهذا القسم
التزاما دينيا بأنـي لا
أعود أبدا للجزائر، فعندما أمرني الاله بالنهوض نهضت، وقد
استعملت البارود إلى أقصى
حد مكنتني منه وسائلي وطاقتي، ولكن عندما أمرني بالتوقف توقفت،
وعند ذلك، تخليت
عن السلطة واستسلمت" . وبعد أن قام
الأمير بجولات مختلفة في فرنسا غادرها
مكرما معززا في الفاتح من ربيع الأول 1269هـ/ 13 ديسمبر 1852 على
ظهر السفينة
لابرادو قاصدا الشرق.
|