للأمير عدة مؤلفات نذكر منها اثنان

ذكر العاقل

المقراض

 



                               ذكرى العاقل وتنبيه الغافل
 
قسم الأمير عبدالقادر كتابه إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة وأدرج تحت كل باب مجموعة من العناوين التي تخدم مشتركة الفكرة الرئيسية، وجاء مؤلفه في ثمان وخمسين ومائة 158 ص من الحجم المتوسط، وقد قام بتحقيقه والتقديم له مشكورا الدكتورممدوح حقي وقامت بطبعة دار اليقظة العربية ومكتبة الخانجي دون ذكر التاريخ وتم ايداعه بدار الكتب تحت رقم 4385/76.
يتحدث الأمير في مقدمة كتابه عن مضمون رسالته " ليضع قارئه أمام الموضوع بجملة فيكون على بينة منه قبل الإقدام عليه ورسم خطته التي سار فيها رسما منسقا مرتبا" حيث جعل مقياس التفاضل بين الناس يكمن أساسا في العقل والعلم، وهما الوسيلتان الوحيدتان لإدراك الحق ولذلك وجب على العاقل في نظر الأمير " أن ينظر في القول إلى قائله، فإن كان القول حقا قبله سواء كان قائله معروفا بالحق أو بالباطل " لأن الحكمة ضالة العاقل" الذي يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال" ويضرب الأمير الكثير من الأمثلة والشواهد التي تتوافق مع نظرته داعيا إلى نبذ التقليد وإطلاق حرية الفكر والعقل للتطور، والتأمل للاعتبار لمعرفة الحق بالدليل وفي ذلك يتمايز الناس مراتب فمنهم " عالم مسعد لنفسه ومسعد لغيره وهو الذي عرف الحق بالدليل لا بالتقليد ... وقسم مهلك لنفسه ومهلك لغيره وهو الذي قلد آباءه وأجداده في ما يعتقدون ويستحسنون وترك النظر بعقله ودعا الناس لتقليده، والأعمى لايصلح أن يقود العميان".

                       ويرى عبدالقادر في نهاية مقدمة مؤلفه أن هذا العقل لايمكنه أبداً إدراك الأشياء على حقيقتها إذا حجب الله - سبحانه وتعالى- عنه أنوار الهداية والتوفيق، فيغدو مثله " كالعين الباصرة لايمكنها إدراك الأشياء إلا عند طلوع النيرات كالشمس ونحوها فكذلك العقل لا يقدر على إدراك الحقائق دون خطأ إلا إذا طلعت عليه أنوار التوفيق والهداية من الله تعالى" . وهكذا يمهد الأمير لقارئه حتى يمكنه من الإلمام بجوانب الموضوع مستهديا بالعقل للوصول إلى الحقيقة المبتغاة .
أما الباب الأول ( في العلوم والجهل) فقد بين فيه عبدالقادر مكانة العلم العام وفضل العلماء " العاقلين" على غيرهم، وقسم هذا العلم نفسه إلى محمود ومذموم، فالأول " ما ترتبط به مصالح الدين والدنيا كالطب والحساب، وكل علم لا يستغنى عنه في قوام أمر الدين والدنيا كأصول الصنائع والفلاحة والحياكة والسياسة والحجامة" أما العلم المذموم فيراه الأمير يؤدي حتما" إلى ضرر إما بصاحبه أو بغيره كتعليم السحر والطلسمات " تأسيا بعقيدته التي تدعو إلى اجتناب هذه الأشياء لما فيها من فساد للعقل والجسد، محاولا الإلمام والحديث عن بعض العلوم التي اشتهرت عند بعض الأمم القديمة كالبابليين والسريانيين والكلدانيين وأهل مصر ذاكرا بعض علماء الإسلام وهو في معظم سرده لهذه الرحلات العلمية لا ينسى علما دون آخر، ولا يحتقر شيئا منه فتراه يتحدث تارة عن الكيمياء وخواصها وطورا عن الصناعة وفوائدها وطورا ثالثا عن التنجيم وهو ينطلق في كل هذا من مبادئ ثابتة تخضع لمفهومه العلمي والإيماني كرجل فكر مثالي إسلامي متحرر يدعو إلى العلم ويقدسه بل يراه الغاية من خلق

الإنسان نفسه، فالعبادة الصحيحة لا تتأتى عن جهل ولذلك فإن " شرف الإنسان وخاصيته التي يتميز بها عن جميع الموجودات هي العلم وبها كماله محترزا من بعض الأخطاء التي تجنح بهذا العقل أحيانا عن سواء السبيل مستدلا بما جاء به القدماء كل حسب اختصاصه في مجاله " فالمنجم مثلا باستدلاله بالنجم على الحوادث كاستدلال الطبيب بالنبض" ومن هنا راح الأمير يحذر - في معرض حديثه- من أشباه العلماء أولئك الذين يتعاطون العلم وهم ليسوا من أهله، فيكون شرهم وبلاؤهم أكبر من نفعهم لأنهم يبتغون وراء ذلك عرضاً دنيوياً زائلاً ولو على حساب الدين والأخلاق" ويدخل في هذا الوعاظ الذين يصعدون المنبر إذا لم يكن وراء كلامهم علم نافع وليس مرادهم إلا اكتساب الدينار والدراهم".
وبهذا يكون الأمير قد وضع أمامنا إطار الصورة في هذا الباب بتركيزه على مكانة العلم والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، مبرزا أهمية العقل كوسيلة مثلى في الوصول إلى الحقيقة.
أما الباب الثالث ( إثبات العلم الشرعي) يحاول فيه الأمير عبدالقادر اثبات النبوة وحاجة الإنسان إلى العلوم الشرعية والدينية التي لا تتحقق إلا عن طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين يحملون ويبلغون أقوامهم هذه التعاليم السماوية لأنهم الواسطة بين الخالق وعباده بتبليغهم الرسالة وأداء الأمانة وهداية البشر لما يصلحهم دينا ودنيا. فعقل الإنسان مهما بلغ من الكمال والقدرة والاستطاعة فإن له حدودا لا يتجاوزها ولا يستطيع أصلا الوصول إليها وادراك كل الظواهر" فالعقل وإن بلغ من الشرف والاطلاع على حقائق الأشياء ما بلغ، فثم علوم لا يصل إليها ولا يهتدي إلى الإطلاع إليها إلا بتصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد إليهم بمعنى ان علوم

الأنبياء زائدة على علوم العقل" ولذلك يحرص الأمير المعلم على الدعوة إلى الإيمان والتصديق بما جاء به هؤلاء الرسل من أحكام وشرائع وعلوم قد لا تدركها العقول والحواس عن طريق العلم العقلي لأن " وراء العقل طور آخر وأمور أخرى، العقل معزول عنها، ولا يصل إليها بنفسه بل بغيره" . ومن هنا راح الأمير يميز بين مرتبتين أو درجتين من العلوم اللذين لابد منهما للإنسان حتى يستطيع أن يحقق غايته وتوازنه النفسي والروحي والاجتماعي ولن يحصل الكمال إلا بهما" فالعلوم التي تحل في العقل تنقسم إلى عقلية وشرعية، أما العقلية فنعني بها ما تحكم به غريزة العقل من غير تقليد وسماع ..... وأما العلوم الشرعية فهي المأخوذة عن الأنبياء وذلك يحصل بالتعلم لكتب الله المنزلة مثل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وفهم معانيها بعد السماع، وبها يكمل العقل ويسلم من الأمراض " ذلك أن الأمير يؤمن بأن هذه الشرائع مكونة للنقائص وزينة للعقول وطمأنينة للنفوس " فجميع أقوال الأنبياء لا تخالف العقول، ولكن فيها مالا يهتدي العقل إليه أولا، فإذا هدي إليه عرفه وأذعن له " فكان لزاما التدين والإيمان والإقرار بنبوة هؤلاء الرسل قولا وعملا " لأن المكذب للأشياء بعقله عما جاؤوا به من الأعمال والعبادات مغرور" والغرور يؤدي إلى الاستكبار والتعصب وهما سبيل الكفر وهو ماحاول الأميرأن يحذر منه بدعوة الناس - وهو يخاطب علماء أوربا- إلى التسامح والأخوة والتواضع ونبذ الكراهية لأن " الدين واحد باتفاق الأنبياء وإنما اختلفوا في بعض القوانين الجزئية"
وبذلك يتدرج الأمير في عرض افكاره في هذا الكتاب بتسلسل منطقي مراعاة لمقتضى الحال، وبالتالي جاء هذا الباب مكملا للباب الأول وهي طريقة للاستدلال المعرفي عند علماء المسلمين أي الاعتماد على العقل والنقل معا لادراك الحقيقة لان

العقل وحده قاصر في بعض المواقف والنقل أيضا لا يحقق أحيانا ما ينشده الإنسان إذا انتابته
الشكوك فلا يطمئن إلى أحكامه إلا إذا آزره العقل فيها .
وكان الباب الثالث مخصصا للحديث عن ( فضل الكتابة) حيث بين الأمير فيه حاجة الإنسان اليها لتقييد حوائجه وتدوين مآثره والإنسان مدني بطبعه، ولن يتحقق له إدراك هذه الغاية والتواصل مع أخيه الإنسان إلا بإيجاد قنوات وإشارات ورموز والتي تتمثل أساساً في الكتابة،ومن هنا راح الأمير -كعادته يتتبع مراحل نشأتها عند مختلف الأمم القديمة ليصل في النهاية إلى تحديدها في اثنتي عشرة كتابة، محاولا إيجاد الفروق بين هذه اللغات سواء من حيث الأصوات أو من حيث دلالاتها وأشكالها وما في كل لغة من لهجات، مركزاً على منزلة الكتابة العربية من بينها راسماً خطوط انتشارها وأسماء الخطوط العربية واول من خط بها قبل مجيء الإسلام الذي رسم هذه اللغة أو الكتابة العربية بصورتها الحالية .
ويحاول الأمير أن يعلل بعض الظواهر فتراه يقرر مثلا أن السبب الذي جعل اليونان والروم يكتبون من اليسار إلى اليمين هو أن هؤلاء كانوا يدركون أن " شأن الجالس أن يستقبل الشرق لأنه مطلع النيرات ومحل ظهور النور فإذا توجه إلى المشرقي يكون الشمال على اليسار، فإذا كان كذلك فاليسار يعطي اليمين القوة وسبب آخر وهو أن حركة الأعضاء من استمداد الكبد، والكبد يستمد من القلب والقلب من جهة اليسار فطريق الكتابة أن يبتدأ من الجهة التي منها الاستمداد".
كما يعرض الأمير في هذا الباب إلى قضايا هامة وأساسية سبق بها عصره متحدثا عن التصانيف والتآليف وأنواعها حاثاً الإنسان على الابتكار والاجتهاد وعدم الالتفات لما

خلفه السابقون والنظر إليه على أنه الكمال والمثال والنموذج " لأن نتائج الأفكار لا تقف عند حد وتصرفات العقول لا حد لها.... ولا يستبعد أن يدخر الله لبعض المتأخرين ما لم يعطه لكثير من المتقدمين". فالعلم في نظره بحر لجي مترامي الأطراف لا تدركه الأبصار ولا تحوطه العقول، يغرف منه المتقدم والمتأخر ولا ينفذ ولذلك، فالخطأ الخطأ في -رأي الأمير- أن يقف المرء عند حدود ما خلفه السلف والادعاء بأنه منتهى الغاية والكمال" فقول القائل ماترك الأول للآخر شيئا خطأ والقول الصحيح هو كم ترك الأول للآخر ويقال: لا كلمة أضر بالعلم من قولهم ماترك الأول للآخر شيئا" وكأني بالأمير ينتصر بقوله هذا إلى الابتكار والتجديد شرط أن يكون مرتكزا على قواعد علمية يستطيع المؤلف من خلال تصنيفه أن يبلغ كل ما يريده إلى المتلقي بلغة وأسلوب ومنهجية تتوافق مع عصره ومجتمعه ومدركاته واستعداداته فنجاح الأمر في - راي عبدالقادر- يكمن في " اتمام الغرض الذي وضع الكتاب من أجله من غير زيادة ولا نقص، وعدم استعمال اللفظ الغريب لا في الرموز والالغاز، وينبغي أن يكون التصنيف مسوقاً على حسب إدراك أهل الزمن وعلى قدر ما تصل إليه عقولهم " مستعرضا بعض القضايا الأساسية الهامة كحديثه عن دلالات الألفاظ وعلاقتها بالمعاني ومدى قدرتها على إيصال المعلومات والأفكار وتفاضل الكتاب في هذا، خاتما حديثه بعرض موجز حول نشأة ومراحل حركة التدوين والترجمة في العصور الإسلامية وخاصة العباسية منها لنقل تراث وعلوم الأمم الأخرى إلى العربية والانفتاح على كل الثقافات مشيداً بدور بعض الحكام المسلمين في هذا وخاصة الخليفة المأمون ابن الرشيد في بعث وتشجيع هذه الحركة وتحفيز العلماء إيمانا منه بدولة العلم والإيمان وأن هذا التراث الإنساني حق للجميع كل فيه شركاء، فترجمت مؤلفات كبار

الفلاسفة والعلماء " وألزم الناس قراءتها ورغبهم في تعلمها، إذ المقصود من المنع منها في صدر الإسلام هو لأجل ضبط قواعد الشريعة ورسوخ العقائد الصحيحة وقد حصل ذلك
أما الخاتمة فقد تحدث فيها عبدالقادر عن أقسام الناس واختلاف أجناسهم والفروقات المختلفة بينهم بحسب العلوم والمعارف واختلاف المذاهب مفصلا الكلام عن هذا التمايز والتباين واختصاص كل أمة بميزة تنفرد بها عن غيرها وتدل عليها كالهنود بعلومهم ومذاهبهم وحضارتهم ويكفيهم شرفا - على حد قول الأمير -أنهم أول من وضع الشطرنج مشيدا بعلمائهم وحكمائهم وتآليفهم . والأمر نفسه في عرضه لمآثر الفرس وأمجادهم وأمة اليونان وفضلهم والرومان وحنكتهم وقوتهم ليصل الأمير إلى أن كل هذه المآثر هي ثمر جهد إنساني عام، جيل يمضي وآخر يأتي ليضع لبنة في بناء هذا الصرح المعرفي الواسع لتكتمل حلقته ودرته بهذه الأمة أمة العرب التي شرفها الله سبحانه وتعإلى بحمل الرسالة وهداية الإنسانية، ففضلهم على غيرهم لا يدانيه فضل، وشرفهم في ذلك بيّن، مستعرضا جوانب هامة من حياتهم وعاداتهم وخصالهم وعلومهم في الجاهلية والإسلام، معددا فضائلهم وشيمهم التي حق لهم أن يفخروا ويفاخروا بها من " البيان في الكلام والفصاحة في المنطق والوفاء بالعهد وإكرام الضيوف وعلو الهمة
"
محتجا في ذلك ببعض القصص والأحداث التاريخية مشيرا باقتضاب إلى العبرانيين وأهل مصر ليؤكد أن حكمة الله اقتضت أن تختص كل أمة بفضل وميزة ولم تكتمل إلا بما عند غيرها من الأمم الاخرى ليغدو هذا الإرث إنسانيا مشتركا بين الجميع وإن اختلفت الألسن والألوان
.

ويحاول الأمير أخيرا البرهان على أن الاختلاف الحاصل بين الناس في العقول والمعارف والطباع والأمزجة مرجعها أساسا إلى موقع اختلاف بلدانهم من خط الإستواء وأحوال الشمس في الحركة حيث يجملها الأمير في ثلاثة أقسام تبرز إيمانه بالفروق الفردية والجماعية وأن الإنسان ابن بيئته تتجلى آثارها وملامحها في فكره وأخلاقه، مع الإشارة إلى أن الأمير كرر هذه الأشياء لفظا ومعنى وقد سبق له أن عرض لها في بداية مؤلفه .
وخلاصة القول أن عبدالقادر في كتابه هذا أثبت لعلماء أوربا بأنه لا يقل عنهم علما ومعرفة وأنه رجل سبق عصره بهذه الأفكار الموسوعية التي آلف فيها بين موروثه الذي يعتز به وبين علوم عصره التي يلم بها ويدعي أولئك أنهم سباقون إليها . وقد حاول أن يلملم هذه المعلومات ويقدمها بطريقة توحي أن الأمير كان موضوعيا فلم يغل ولم يتطرف ولم يتعصب ولم يحتقر علما دون آخر لأنه كان يؤمن إيمانا قويا أن الوصول إلى الحق لا يكون إلا عن طريق العلم النافع بما خلفه الأولون وما يجب أن يقوم به اللاحقون لبلوغ اليقين الذي لن يتحقق إلا بالعقل والنقل وبذلك يكون عبدالقادر قد فتح باب الاجتهاد في عصره ذكرى للعاقلين وتنبيها للغافلين
.

                     المقراض الحاد(لقطع لسان منتقص دين الإسلام بالباطل والإلحاد)

أما مؤلفه ( المقراض الحاد لقطع لسان منتقص دين الإسلام بالباطل والإلحاد)وهو أشبه برسالة تصدى فيها الأمير عبدالقادر للتدليل بحجج دامغة وأدلة منطقية عقلية وكونية على وجود الله سبحانه وتعإلى خالق هذا الكون "فجاء كتابه هذا حصيلة عمر طويل تقضى في الاستقصاء والبحث والتنقيب والتمحيص لكل ما روي ونقل ونشر عن الديانات والرسل والأنبياء والكتب السماوية ."(

والكتاب يقع في أربع وخمسين ومائتي صفحة 254 من الحجم المتوسط، قسمه الأمير إلى شبه مقدمة وثلاثة ابواب أدرج تحت كل باب مجموعة من العناوين سعى الأمير من خلالها إلى نهج طريقة تبسط للقارئ فهم مضمون حديثه، وقد حرره محمد بن عبدالله الخالدي المغربي كما هو مبين من واجهة الكتاب، ونشرته دار مكتبة الحياة في بيروت دون تاريخ .
حاول الأمير في مقدمة كتابه هذا كما فعل في" ذكرى العاقل وتنبيه الغافل " ان يحدد الوسيلة التي تمكن الإنسان ولا بديل عنها لإدراك حقائق الكون والاهتداء إلى خالقه، فبدأ بتعريف العقل هذه الملكة التي أنعم الله بها على الإنسان ليسعد في الدارين وهي "أشرف الخواص التي ميز بها الإنسان عن الحيوان " ذلك أن العقل "منبع العلم ومطلعه وأساسه والعلم يجري منه مجرى الثمر من الشجر " فلا يكتمل أحدهما إلا بالآخر ولذلك قرن بينهما تعالى في كثير من آي الذكر الحكيم:" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر اولو الألباب ".
ثم ينتقل الأمير للحديث عن شرف النظر العقلي وتفاوت أدراك الأشياء والحقائق بين الناس وانقسامهم في ذلك بحسب استعداداتهم النفسية والعملية لاستيعاب هذه العلوم لأن العقل نفسه مراتب أربع ومن هنا تباينت منازل الناس وتفاضلوا في الأعمال تبعا لحاجة كل كل واحد منهم إلى الآخر فلا يمكن للفرد وحده أن يبدع من العدم لأنه وببساطة " لا يمكن أن يعيش منفرداً لأن الغذاء والكسوة يحتاجان إلى آلات وتحتاج الآلات إلى حداد ونجار ويحتاج الطعام إلى طحان وخباز ولهذا امتنع أن يعيش الإنسان وحده وحدثت الحاجة إلى
الاجتماعيات

وهكذا تتجلى صورة الإنسان الكامل بعمله نظرة الأمير ولذلك فهو لا يحتقر عملا أو حرفة دون أخرى بل إن العمل مهما صغر أمره أو شأنه في أعين البعض هو الدلالة الحقة على كرامة الإنسان وشرفه لأنه يمثل اليد العليا بشرط ان ينأى صاحبه عن الغرور والاستعلاء لأن الغرور في شرع عبدالقادر " نوع من الجهل فكل ما ورد في ذم الجهل فهو دليل على ذم الغرور " لأنه بلا ريب مفسدة للنفس وسبيل الشيطان إليها فيزين لها أفعالها بما يوافق هواها فتقنع النفس بذلك فتردى لأن الغرور:" سكون النفس إلى مايوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان فمن اعتقد إنه على خير على شبهة فاسدة فهو مغرور " ولذلك يرى عبدالقادر ان الخطر والخطر كله حين يعتقد الإنسان بغروره أنه حاز الرضى من خالقه وضمن لنفسه المخدوعة مكانا عند الله حين أحسن الله إليه بنعيم الدنيا الزائل فيذهب طيباته في حياته بدون وجه شرعي ثم يأمل في كرم الله دون أن يقدم ما يشفع له عنده في يوم تجد كل نفس ما عملت محضرا، ولذلك راح الأمير يحذرنا من أن " نعيم الدنيا ولذاتها مهلكات ومبعدات من الله تعالى وأن الله يحمي عبده الدنيا وهو يحبه كما يحمي احدكم مريضه الطعام والشراب وهو يحبه " ولعل مرد هذه النظرة، ترجع إلى حياة وسيرة الأمير الصوفية التي نرى أن الزهد في الحياة والرضا بالمقسوم وكبح جماح النفس وترويضها والابتعاد عن ما حرم الله هي السبل التي توصل الإنسان إلى النجاح والفوز بنعيم الآخرة وبلوغ مرتبة الرضا .
و بعد هذه المقدمة التي اعترف فيها الأمير بأنه أرسل عنان قلمه يبدأ في الحديث عن المحور الأول الذي خصص له باباً عنونه (بإثبات الألوهية وبيان الطريق إلى معرفة الله تعالى) وفيه استعرض عبدالقادر كثيراً من الأحكام والدلائل والبراهين التي توصل الإنسان "العاقل" إلى اليقين ومعرفة خالقه بالنظر والتأمل في آياته وإبداع خلقه في

كل شيء في هذا الكون إشارة إلى وجود العليم الحكيم وكل آية تنبئ عن قدرته تعالى، فهذه الأرض بعجائبها من أنهار وبحار وجبال وحيوان ونبات لآيات لقوم يعقلون، يفسر تارة ويعلل أخرى بطرائق علمية متعرضاً إلى أدق دقائق هذه المجرات الكونية مشيراً إلى خواصها وتأثيرها على حياة الإنسان والكائنات الأخرى متتبعا جزئياتها محاولاً عرضها من كل الوجوه.
والحقيقة عند عبدالقادر كاملة فلا يمكن فهم الظاهرة الكونية فهماً صحيحاً إلا بتتبع عناصرها ولملمة جزئياتها المتباعدة لأن الإنسان يدرك الأمر في بدايته إدراكاً كاملاً وكلياً ثم ينتقل إلى فهم الجزء ويعود ثانية إلى الكل مهتدياً بالعلم والدليل العقلي، واستبعاد فكرة التنجيم والإيمان بها كوسيلة للوصول إلى الحقيقة العلمية، لأنها في نظر عبدالقادر لا تخرج عن كونها ظاهرة فلكية أكثر منها سحرية يقول الأمير: " وأما ماوراء ذلك من ادعاء الاطلاع على الغيب بالنجم، والقطع به فهو باطل، وما يتفق من إصابة المنجم على ندوره فهو اتفاقي " وبذلك تتجلى روح الأمير لأن كامل العقل العالم عنده هو الذي:" يغوص بعقله من المسببات إلى الأسباب، إلى مسبب الأسباب، غير الشمس والقمر والكواكب مسخرات بأمره سبحانه وتعالى ".
والأمير ينهج في كل هذا سبيل الاستدلال والاستشهاد بما ذكره العلماء المسلمون وغيرهم، فيعرض آراءهم ونظرياتهم في ذلك - وإن لم يشر إلى مصادره في أحيان كثيرة - مناقشاً تارة ومحللاً أخرى معتمداً على زخم روحي في تحليل بعض هـذه الأحـكـام الـعلـميـة والفلسفية وحتى الصوفية، عارضاً لبعض أقوال هؤلاء كفخر الدين الرازي وصـدر الـدين الـشـيرازي وإمـام الـحرمـين وحجـة الإسـلام الـغـزالي . علـى أنـنـا نـلاحـظ ظـاهـرة تـكرار بـعض
الـقضـايا التي جـاءت فـي مـؤلفـه (ذكـرى

الـعاقـل وتـنبيـه الغـافـل ) تكراراً يكاد يكون حـرفياً ومـن ذلك حـديثه عن اختلاف الناس تبعا لاختلاف أحوال الشمس وحركتها .
ويسعى الأمير جهده لجمع كل الأدلة التي تثبت وجود خالق الكون تعالى فلم يكتف بما ذكره بل تراه يعود إلى الإنسان نفسه- هذا العالم الصغير المعجز - فهو آية في حد ذاته ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) "فصّلت آية 52" ويبدو الأمير هنا أشبه بالجراح الذي يقوم بعملية تشريح لهذا الجسد فيتحدث عن كل صغيرة وكبيرة مبينا وظيفة كل عضو فيه بكل تناسق توحي بعظمة بارئه، فمن القلب ومكوناته والدماغ وحواسه إلى الكبد إلى خلق العلقة والمضغة فلا يغادر شيئا إلا أوسعه شرحا وتبيانا ليصل إلى مسألة حساسة ومعقدة جوهر الإشكال ( الروح ' التي شغلت التفكير الإنساني ولم يهتد إلى فهم حقيقتها وكنهها وماهيتها، لأنها من غيبيات الله، والعقل عاجز عن إدراكها يقول تعالى:" ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " الإسراء آية 84 مبرزاً الاختلاف والتباين في معرفة وإدراك هذا الأمر مؤكدا على " أن الأولين والآخرين على مر الأيام والأعوام اختلفوا في الروح على زهاء ألف قول "، مشيراً إلى اتفاق " المليين من اليهود والنصارى والمسلمين على أن الروح حادثة إذ لا قديم عندهم إلا الله " مبينا آراء الفلاسفة واختلاف مشاربهم حول هذه المسألة كأفلاطون وأرسطو وابن سينا والغزالي وفخر الدين الرازي وغيرهم .
وهكذا يستمر الحديث عن ماهية الإنسان - هذا الكائن العجيب - جسدا وروحا فلا يغفل عبدالقادر شيئا إلا وأشار إليه بالتفصيل والتحليل مجسدا في ذلك عظمة الخالق في هذا الإنسان بقواه المدركة وقواه المتحركة وينهي الأمير بابه هذا بخلاصة تثبت
"

أن فاعل الكل وصانع الجميع واجب الوجود بذاته ..... إنه حي بلا مزاج فاعل في الأشياء بلا علاج علة كل شيء صنعه ولا علة له، فهو واحد في الذات والصفات والأفعال " ولن يتأتى للإنسان أن يدرك هذه النظرية التوحيدية وهذا الإقرار والخضوع للواحد الأوحد إلا بالتقرب إليه ليلج ملكوت رحمته وينال عفوه، والسبيل المؤدي إلى بلوغ هذه الغاية لن يتحقق إلا عن طريق الأنبياء والرسل هداة العقول والبشر وهو محور الحديث في الباب الموالي .
"
في النبوة والرسالة " هو العنوان الذي اختاره الأمير لبابه الثاني والذي فصله إلى نقطتين، فالمحور الأول يختص باثبات الرسالة على العموم والتي لن يهتدي إليها البشر إلا عن طريق العقل سبيل الإيمان والإقرار وركيزته في ذلك العلم، ومع ذلك يبقى هذا النهج لوحده قاصرا عن إدراك الكل ولذلك كانت رحمة الله بعباده واسعة حين أرسل إليهم الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين حتى لا يكون للناس عذر ولا مبرر بعد الرسل فالرسالة من هذا المنظور ضرورة ربانية وتأكيداً لوجوده تعالى وإقراراً بوحدانيته وتنزيها له عما سواه وهي تبصرة وذكرى لكل عبدمنيب "فالعقل لايهتدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة إلا بواسطة الرسل كما لا يهتدى إلى الأدوية للصحة إلا بواسطة الأطباء فحاجة الخلق إلى الرسل كحاجتهم إلى الأطباء ."
ثم يتحدث الأمير عن علامات الرسول والنبي عارضا بعض الآراء مبينا أن الإيمان بهم والإقرار برسالتهم لايكون متوقفا بالضرورة بمشاهدتهم أو معاصرتهم "بل يثبت ذلك إلينا متواترا يفيد اليقين مثل المشاهدة .... حصول العلم بالتواتر ضروري لا يحتاج إلى نظر".ويخص الأمير بعض الأنبياء بالذكر كسيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام مستعينا في ذلك ببعض الآثار التي تواترت في عصره مبينا أوصافهما

والأمم التي أرسلا إليها سارداً بعض القصص والأخبار التي تقف شاهداً على صدق رسالتيهما .ولعل القصد من وراء ذلك هو ان عبدالقادر المؤمن يريد ان يصل إلى فكرة اساسية مردها ان كل الأديان تصدر من نبع واحد وتسعى إلى غاية واحدة وهي الإقرار بوحدانية الله وعبادته والرضى بما جرت به الأقدار وهي الأمانة التي أنيطت بهؤلاء الرسل لتبليغها إلى الناس حتى يعبدوا الله حق عبادة فلأجلها خلقوا (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الطور آية 54، مدللا على ذلك- وكعادته - بكثير من الأحاديث النبوية الشريفة وبعض المأثور، محاولا تخريجها بين الحين والآخر، وقد نهج الأمير هذا السبيل ليثبت على أن رسالات هؤلاء الرسل هي تكليف بإبلاغ الدعوة إلى الله، إلا أن رسالاتهم تتناسخ وتكون رسالة الإسلام ناسخة للجميع فقد "كان شرع عيسى غير شرع موسى عليهما السلام ولا يخل ذلك بكون محمد( ص) مصدقا للتوراة والإنجيل لأن النسخ بيان وتخصيص في الأزمان،وما زال النسخ يتعاقب في الشرائع إلى أن تم بناء قصر الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم فانغلق باب النسخ بعده لأنه بعث لتتميم مكارم الأخلاق ".
ومن الطبيعي أن يتناول الأمير بالحديث رسالة الإسلام وصاحبها محمد عليه الصلاة والسلام باعتبار لا رسالة بعدها ولا دين ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) "آل عمران آية 84" ويخصص لها حيزا كبيرا مستعرضا سيرة الرسول وصفاته وعلامات رسالته والنبوءات والإشارات السابقة الدالة عليها سواء "ما ترادفت به الأخبار وتواترت عن الرهبان والأحبار وعلماء أهل الكنائس من صفة وصفات أمته واسمه وعلامته وذكر الخاتم الذي بين كتفيه
".

وبما أن آية الرسول المعجزة، فما انفك الأمير يشير إلى هذه المعجزة المتمثلة في القرآن الكريم هذا الكتاب الجامع الشامل لأحكام الدين والدنيا فيه أنباء السابقين، قمة الفصاحة والإعجاز البياني والعلمي، مستعرضا بإسهاب جوانب الموضوع حتى وإن كان الأمير يكرر -كما أسلفنا القول - بعض المواقف والأراء التي جاءت في مؤلفه ذكرى العاقل وهو يسعى من وراء ذلك إلى تأكيد صحة ما يذهب إليه معتبراً أن رسالات الأنبياء السابقين لمحمد (ص) محددة وتختلف باختلاف الزمان والمكان أي أن كل رسالة كانت خاصة وفي زمن خاص لمجتمع خاص أما الإسلام فهو عام وكافة للجميع لا يتحدد بتلك المقاييس الزمانية والمكانية، ومحمد رسول الله ونبي الجميع ليصل في نهاية حديثه إلى إقرارتلك الحقيقة الأزلية الخالدة إن " من كانت حكمته عملية فموسوي، وإن حكمته علمية فعيسوي، وإن كانت جامعة بينهما فمحمدي فقد انختمت به النبوة بالضرورة
وكان الباب الثالث مخصصا للحديث عن بيان ما في شرع الإسلام من الوفاء والغدر وما يلحق ذلك من الصدق والكذب حيث راح عبدالقادر يبرز مآثر الإسلام دين الخلق الفاضل والشيم السامية وأن الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام ما بعث إلا متمماً لمكارم الأخلاق، أدبه ربه فأحسن تأديبه، معددا هذه الخلال الكريمة التي يحث عليها ديننا الحنيف ففيها سعادة الإنسان في الدارين، ذلك ان الإسلام."دين الصدق والوفاء والإحسان والإيثار والاقتصاد في الأمور والاشتغال بعيب النفس عن عيوب الناس والإنصاف من نفسك وإنفاق المال لصيانة العرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح ذات البين وإماطة الأذى عن الناس وإفشاء السلام وإكرام الجار والتواضع والتعاون على الخير والصبر(588) " وتلك لعمري قيم لو تحلى بها الناس
لما

ظهر الفساد في البر والبحر ولتحقق السلام والعدل والمحبة في هذا العالم المتصارع،وطبعا كان
الأمير يصدر في هذا من تعاليم القرآن وهدي السيرة المحمدية العطرة ومن نفس جبلت على محبة الغير والتحلي بالمكارم.
ويحاول عبدالقادر ان يرجع فضائل هذه الأخلاق كلها إلى أربعة أصول أو مصادر هي: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل وباقي فروعها "
ويضرب لذلك كثيرا من القصص والأمثال من تاريخنا العربي الإسلامي المجيد التي تذهب شاهدة على ما كان يتحلى به السلف الصالح من اخلاق سجل التاريخ مواقفهم بأحرف من نور ضمنت لهم الشهرة والذيوع وما ذلك بالأمر الغريب على خير أمة أخرجت للناس.
ولا يغفل الأمير - وهو في هذا الموقف - أن يخصص حيزا كبيرا للحديث. في شيم الوفاء بالعهد وصدق الوعد وعن أخلاقيات الحرب وحسن معاملة الأسرى والالتزام بالعهود والمواثيق وكلمة الشرف ولعل مرد ذلك كون الأمير رجلاً مجاهداً مقاتلاً ذاق مرارة الأسر وذله والخيانة والغدر، فلا ينبئك في مثل هذا إلا خبير تجرع مرارة الظلم وألم الوحشة والغربة ولكنه شهم عفو سمح كريم لأن دينه وشرعه يدعو إلى دفع السيئة بالحسنة والعفو والتسامح والترفع عن الدنيا أسوة بجده "عليه الصلاة والسلام".
والقارئ لهذا المؤلف يجد أن الأمير أشبه بمشرع وداعية ومحببا لهذه الفضائل بحيث تراه يبدأ حديثه في كل فقرة بأسلوب الدعوة والالتزام والأمر والنهي " ومنها أنه يلزم المسلمين ... ومنها انه إذا نهى الإمام" دون أن يغفل دوما الارتداد إلى ذلك المعين الذي لا ينضب من موروثه الديني والحضاري يستقي منه أدلته التي تثبت أن أمته

حتى في جاهليتها- كانت أمة الوفاء وحفظ العهود، فجاهليتنا بهذا المنظور أفضل وأكرم من حضارتهم المزيفة ." فالأمة العربية أكثر وأشد جميع الأمم في ذلك،لأنهم في جاهليتهم كانت لهم نفوس زكية وأخلاق مرضية وأفعال كريمة وهمم عظيمة وعقول راجحة وآراء ناجحة وشرف صميم وأنفة من كل خلق ذميم، طبعوا على خصال الفضل والمروءة قبل أن تكون فيهم النبوءة ".
وهكذا يستحضر الأمير في هذا كل ما أوتي من حجة وبينة ليثبت لظالميه أنهم ماقدروا الرجل حق قدره مستحضرا نماذج ومختارات من مفخرة العرب (الشعر) الذي يدعو ويحث ويحبب كل جميل وخلق وحسن فضيلة خاتما حديثه ببيت لبيد الشهير في مدح سيد العالمين:

وما حملت من ناقة فوق رحلها

 

 

أبر وأوفى ذمة من محمد .