|
|
|
تـعـامـل عبدالقادر بـالشعرمـع غـيره
مـثلما تـعامل بـه مع نفسـه فـقد كان الامـير فارسـا حقا لـم يقنـع
بالـجانب الـحسي مــن بطـولتـه فـطلـب لهاجمالـها في الشـعر وحـلاها بالـقصيد
ليـربط عروبته بأجـداده الاوائـل بأعـز رباط وأقـدس تراث سلاحـا
وأدبـا.
فحاول أن يُكسب الشعر المكانة اللائقة
المحببة إلى قلبه، وعلى الرغم من اهتزاز جانبه الفني في أكثر من
موقف، الا أن الشيء الذي يشفع للأمير فى أن يجعل من نفسه شاعرا - وإن قصر به التعبير
الفني-هو قدرته على تصوير الواقع الحقيقي الذي عاشه ويعيد إلى الأذهان في الجزائر
صورة عنتره وعمرو بن كلثوم وخالد بن الوليد وأضرابهم فى فترة كانت البطولة فيها في
الجزائر تعاني من التزييف ويخلع عليها الحكم العثماني في أواخر أيامه حلَّة من الأبهة
الجوفاء حتى إذاطالعها الغزو الاستعماري الفرنسي لم تصمد فى وجهه أكثر من أيام
معدودات
. وقد ارتكز
شعره على نقطتين أساسيتين هما: طبيعته الفروسية وثقافته
الاسلامية، ولعل هذه الدوافع أوالدافعين مما جعل لشعر عبدالقادر مذاقا
عاما واحدا كالشعر
الصوفي او العذري او الرمانسي فهو يتغزل ويفتخز ويمدح ويصف فى
اثناء قصده الحديث
عن فتوحاته الميدانية او تلك التي يسميها العرفانية او عن آماله المنشودة فى هذه او
تلك. ولعل أفضل ما
جادت به شاعرية عبدالقادر هو ذاك الذي تناول فيه موضوعات الفخر
والحماسة لأنهما أشبه به، وأجدر بشخصه، فشعره في الفخر " يذكرك بعنترة بن شداد، ولعل أميرنا
أولى من ابن زبيبة في ذكر البطولة والفداء لأن عنترة كانت بطولته الغزو والكسب، وأميرنا قد وقف
عزمه كله على نضال المستعمر الغاضب فشتان
بين المقصدين، ويابعد ما بين الهدفين، فالأمير
عبدالقادر حين يفتخر يتحدث عن هواجس
وأفكار لاتصنع فيها ولا تكلف، فالفخر منه واليه وهو
أولى به، فالبطولة جزء من شخصيته، لذلك كان شعره صادقاً كل الصدق صحيحا كل الصحة" ومن هذا
المنطلق أراد عبدالقادر أن يعيد إلى الأذهان في الجزائر تلك الصور للفروسية
العربية الأصيلة في وقت كانت البطولة فيه عاجزة عجز المرحلة التي تمر بها
البلاد. فهو عربي بن عربي، من عائلة شريفة عظيمة الشأن كريمة المنبت، أصلها ثابت في المجد وفرعها يطاول عنان السماء جودا وفضلا وشرفا .ومن هنا حق له أن يفتخر ملء فيه بهذا المجد العالي والنسب المصون، فأبوه رسول الله (ص) أفضل من سعت به قدم على أديم هذه البسيطة وأفضل خلق الله دينا وسيرة، فأمسى لهذا النسب الهاشمي ضرورة حتمية يفرضها المقام:
فحسب الأمير هذا العز الدائم والذكر المتواصل، غني من متاع الدنيا الزائل من مال وجاه وسلطان، فلو خيِّر بين النسب الشريف وكنوز الدنيا وزخرفها لاختار الأول مقتنعا، إذ كيف يسمو أناس هم أبعد عن هذا النسب وينالون عن طريقه المجد والفخار، وعبدالقادر سليل هذه الشجرة المباركة تنازل عليه مقابل دنيا فانية ومتاع لايدوم؟
ويكفي عبدالقادر هذا النسب والانتماء الشريف حفظا وصونا أمام كل من تسول له نفسه المساس بالأمير والحط من مكانته، فمن كان الله مولاه ورسوله فليهنأ وينم قرير العين هانيها لأن كيد العدو سيرد إلى نحره لامحالة:
فهذا الإرث النفيس الذي ورثه الشاعر سيبقى شامخا دائما لايزول بزوال الرجال فيه مجد العرب وفخر الإسلام الذي أتى به محمد ( ص) فرفع من قريش مكانا عاليا فارتبط ذكر هذا النسب مع حياة المسلم ارتباطا وثيقا " إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" الأحزاب آية 56 ومن من المسلمين لايذكر هذا النسب وأهل البيت وهو ساجد لرب العالمين بقوله "اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما":
وهذا النسب النبوي الأمجد هو في حالة ديمومة مستمرة، يتوارثه الأبناء عن الأجداد، فهو سلسلة ذات حلقات كل حلقة تمثل عهدا حافلا بالأعمال الجليلة والأخلاق الفاضلة والمواقف النبيلة، فأتباع هذه الدرجة الطاهرة هم القدوة والنبراس يهتدي الناس بنوره في حياتهم أخلاقا ومعاملة وسلوكا:
ولم يكتف ذلك السلف الصالح بهذا النسب بل زادوه فضائل ومناقب، فهم أهل الهمم والمروءة والأخلاق، يسمون بها فوق النجوم، دأبهم العمل والنضال حماية للدين وصونا لشرف الإسلام ودفاعا عن الحق والعدل:
وهم يقولون ما يفعلون، وتلك خصلة من النادر أن تجدها إلا في القليل لكن هؤلاء سلالة طه، فإن لم يكونوا هم المثل والنموذج حلما وصبرا وجهادا فمن يكون؟:
فهذا السلف والخلف الصالح هو مشعل الهداية ونبراس الحق بما أغدقه الله عليهم من فضله العميم فجمعوا خير الدنيا وحازوا ذكراً دائما طول الزمن تساموا بأخلاق نبويةقادرية عباسية فبلغوا من المجد ذراه:
وإلى جانب فخره بهذا النسب النبوي الشريف، لم يغفل أصله العربي فراح يتغنى به وبأمجاد أجداده لارتباط النسب النبوي بالعرب، أليس الرسول الأمين عربي ابن عربي ؟ فلا مناص إذن أن كل من انتسب إلى هذه السلالة تجري حتما دماء العروبة فيه، وعلى الرغم من أن هذا الفخر بالعرب لايرد كثيراً في شعر عبدالقادر، إلا أننالا نلاحظ أن فكرة " القومية العربية" قد وضحت عنده قبل كثيرين غيره من زعماء العرب وسبق بها زمنه بنحو قرن تقريبا" فنراه" يعبر عن أحاسيسه العربية في الشعر ويشيد بالخصائل العربية، بل إن الضباط الفرنسيين الذين عاشوا تلك الفترة وساهموا في الحــرب ضــد الجــزائريــين اعتــرفـــوا بأن الأمير فـــي بــداية كفاحه الوطني كانت تحركه تلك الفكـرة وكان يـسعى إلى تكوين مملكة عربية بـــل ســــعى إلـــى خلــق قوميــة عــربيةARAB NATIONALISM ولكنه عـــدل عن هذه الفكرة بعد ذلك بحيث اتخذت الحرب صبغة دينية. وما دام الأمير سليل هذا النسب فقد رأى نفسه أحق بإرث هذه الأرومة إسلاميا وعربيا بكل ما اشتملت عليه من خصال ومناقب جليلة:
الفخر الإرادي المكتسب: لم يقنع الشاعر بفخره الطبيعي الذي ورثه فطريا من نسبه الشريف وعروبته، بل راح يضيف إلى هذا المجد أمجادا أخرى بأفعاله الجليلة، وخلاله الكريمة ومواقفه البطولية الشجاعة سلماً وحربا حتى يكون حلقة وصل بين آبائه وأبنائه، ليضيف إلى رصيد هذه السلالة الكريمة فضائل أخرى متأسيا، يقول الشاعر،
وفخر الأمير المكتسب هو اعتداد بنفسه "
وضرب من ضروب القوى المعنوية التي تستفز المرء على أن يتقدم
إلى الأمام بشرط أن يصاحب ذلك نوع من الحكمة التي تكيف الإنسان لتجعل منه عظيما
بحق يستحق الزعامة بنوعيها الحسي والمعنوي. فإذا الفتى العربي يضع مدلولا للفظة ( فتى) متى انطلقت فكرة غير مقصودة"، وعبدالقادر لايختلف عن اجداده العرب، فلم يشذ عن هذه القاعدة لما كان يرى في نفسه من ضروب القوى البطولية والأخلاقية:
وعبدالقادر في فخره ينقلك إلى واقع حقيقي فهو لم يتخيل معاركه وحروبه تخيلا كما يصورها بعض الشعراء، وإنما يصف كل ما رآه وما عاناه وصف خبير، فقد قضى أيامه، وأفنى زهرة شبابه بين قعقعة السلاح وصهيل الخيل وغبار المعارك مع أهله وجنده الأشاوس، تلمس في فخره أثر عنترة والمتنبي، تغنى مثلهما بالشجاعة والبأس والبطش بالعدو ولاغرو فى ذلك، فقد عرف المعارك ومارسها ممارسة الجندي والقائد:
وينطلق في وصف آيات البطولة والشجاعة، فهو
لايخشى الموت، بل كلما سعى اليه وهبت له الحياة، إيمانا من
شاعرنا بأن موتا كريما فى ساحة الشرف الذي تمثل المرأة فيه الركن الأساسي أختا كانت
أم أما أم حبيبة " فالمرأة نصف الرجل وتمام عيشه وحياته وهنائه، فهي مبعث الرضا
والغضب والأمل والألم والشفاء والرخاء، وهي المعين والإلهام والجمال والجلال، فلا
غرابة أن يسعى الرجل إلى نيل رضاها في كل حين وفي سبيل هذه الغاية سعى متفننا في
الوسائل الموصلة إلى ذلك ببراعته وخياله وعبقريته، فتارة يغني لها وتارة يتحدث
عنها، ولها حديث القلب وخواطر الفؤاد ونجوى الخفايا، وطورا يتوسل إليها بوسائل أخرى
مراعيا في ذلك ظروف الأرض والاقليم والزمان والثقافة ومتطلبات الأحوال، ولئن تعددت
الوسائل فقد اتفقت كلها فى هوى القلب وبث الصبابة والوجد.
وكعادة الأبطال، أمثال الشعر -تراهم يتقدمون الصفوف معرضين أنفسهم لخطر الردى ليعطوا المثال والقدوة للجند في التضحية والفداء، فهو موقد نار الحرب وملهب أتونها، تراه يتقدم جيشه مع بداية النزال، وآخرهم عند نهايتها، همه ضرب الرقاب وجز الرؤوس، لاتلهيه عن ذلك مغانم العدو وأسلابه، هدفه الوحيد إذكاء روح جنده حماسة ونخوة، يدافع عنهم دفاع الوالد عن فلذات أكباده، يحميهم ويدفع الأذى عنهم ويضحي من أجلهم فتراهم عند نهاية المعركة يعودون إلى قائدهم وبطلهم بآيات الشكر والامتنان لما بذله من شجاعة وبطولةحماية لهم:
ولشدة هول معارك الأمير فانه يورد راياته سليمة عند بداية النزال لتؤوب آخر المعركة وهي اشبه ماتكون بالغربال لكثرة مالحقها من إصابات محاولة من العدو لإسقاطها:
ويعرض في سخرية بالأبطال والقادة الذين لايحملون من البطولة والشجاعة الا لقبها وقشورها،حتى إذا ماجد الجد وحمي وطيس المعركة يدفعون جندهم إلى لهيبها، فيراقبون الحرب وهم في المؤخرة بين الحراس، فإن كانت المعركة لهم، نسبوا النصر والفوز لأنفسهم، فكالوا لهم المدح والفخر، وإن كانت عليهم سهل عليهم الفرار لأنهم في المؤخرة تاركين جندهم يواجهون المصير المحتوم، أما الأمير فنقيض هؤلاء تماما:
وليس ذلك انتقاصا من شجاعة جنده ولكنها البطولة في أسمى معانيها والتضحية في اجل صورها، الأمير أب لجيشه قبل أن يكون قائدا لهم يحميهم ويدفع عنهم الأذى رحمة بهم وحبا لهم، ومن كان قائده كعبدالقادر فلا نخاله الاصورة منه شجاعة وبطولة، فهم أشبال أسد هصور يتقدمون دوما ليريهم آيات الشجاعة ليعلم الجند كيف تكون القيادة بحق:
وينقلك شاعرنا إلى صورة قديمة فى الفروسية، صورة عنترة وهو يحاور فرسه الذي اشتكى الجراح والطعنات يدعوها فيها إلى الصبر والتجمل كفارسه، يقول الأمير:
أجل إلى هذا الحد يعتد الأمير بنفسه الكريمة التي يضعها على كفه، وهو يعلم أنها غالية، ولكنها ترخص في سبيل أسمى وهو الدفاع عن حياض الدين والشرف، ويلتفت إلى حبيبه - أم البنين- لتأكيد هذه الحقيقة والإفاضة فى رسم صور هذه البطولة التي شهد بها الأعداء أنفسهم، فأرواحهم دوما مرهونة بضربات سيفه التي لا تفتأ تحز الرؤوس الظالمة:
ولاينفك شاعرنا وليله صديقين متلازمين، يقطع ظلماته ممتطيا جواده الأصيل يسابق الريح، يرتل هذه البطولة ويتغنى بها أوزانا تذكي أريحيته واقدامه معيدا إلى أذهان الشعب تاريخ الفروسية العربية بمفهومها الحسي والمعنوي ومظهريها المادي والادبي، يباغت العدو وينزل به الضربات القاتلة يلاحقه أينما حل وارتحل، يبعث فيه الخوف وينشر الرعب، ليطوي أعنف أسطورة استعمارية بأروع صفحة بطولية:
ثم أية شجاعة هذه وأية بطولة تلك التي يصبح صاحبها مهاب الجانب حيا أو تحت الثرى عظاما نخرة، إنها ولاشك العظمة فى أبهى صورتها والثقة فى النفس فى أسمى معانيها، فالأمير الفارس حيا وميتا هو دوما مصدر خوف وهلع لأعدائه، فلا هو أراحهم في حياته بمعاركه، ولا هو أراحهم بموته بصورته المجسدة فى كل مجاهد جزائري يرفع السلاح عاليا في وجه الظلم والاستعباد، فروحه تذكر العدو- لعل الذكرى تنفعه اذا نسي - يوما بأن شعبا أنجب عبدالقادر مادام فيه نبض واحد يخفق بالحياة لن يموت ابدا:
لقد التزم الأمير أمام أبناء وطنه بأن يتحمل مسؤولية العباد والجهاد وبذلك الزمه عهده الوفاء بذلك، فقضى معظم أيامه ولياليه ممتطيا صهوات الخيل تقطع به البراري والقفار يتبع خطى عدوه يهاجمه تاره ويناوشه أخرى، وخيله صابرة تعاني التعب ومشقة الطريق حتى لتشرف من جراء ذلك على الهلاك ولكنها تقاوم وتصابر، وكأنها أحست أنها تحمل إلى جانب فرسانها مسؤولية عظمى فلن تنعم بالراحة الا اذا بلغت الهدف فوصلت هؤلاء الفرسان بأعدائهم فهي تعدو مطيعة آناء الليل وأطراف النهار، كأنها تخوض بحار السراب من شدة ما أصابها من التعب والعذاب:
ويحلو لشاعرنا أن يتمثل صور الفرسان العرب القدماء وهم يقطعون الصحاري المقفرة الا من السباع المتوحشة بكل شجاعة وإقدام فتراه على جواده يشق أديم المفازات لايبدي خوفا ولا جزعا على الرغم مما يكتنفها من أخطار محدقة تظل القطا فيها السبيل ويعوي الذئب من هول مايرى فيها من الوحشة، إلى أن يصل الأمير إلى مرابع قومه بخيله الضامرة الهزيلة التي أوشكت على الهلاك، فيرى ألسنة نيران خيامهم تهدي الضال وتدعو السابلة إلى القرى والأمان وتلك أسمى آيات المروءة والخصال العربية التي يعتز بها عبدالقادر أيما اعتزاز:
ولم يعد فارسنا إلى مضارب قومه من فسحة صيد أو نزهة تريض، بل آب اليهم بعدما خاض معركة دامية يشيب لهولها الولدان لكثرة مازهقت فيها من أنفس، وما لقي فيها الأبطال من مشاق وأهوال، ترك أعداءه فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاويةهوت رؤوسهم وتطايرت أمام سيوف عطشى تسعى لتشفى ظمأها، فتروى من دماء الغزاة تؤازرها ضربات رماح لاتعرف الكلل والفتور، تركت العدا مذهولين أمام هذه الصور البطولية النادرة، فى يوم عانى فيه شاعرنا أشد العناء وكاد يدفع روحه ثمنا لهذه البطولة، لولا أن تداركه فرسانه بعد ما سقط به جواده بضربة قاتلة:
وأعيدت السيوف إلى أغمادها وهي شاكرة أفعال المجاهدين بعد أن ارتوت فأطفأت بذلك جمرة عطشها الطويل:
ولم يكن هم الأمير وهو يصول ويجول في ميدان المعركة، هذا الجندي الضعيف بل كان يتحسس قواد الجيش وأبطاله، فتقع عيناه على زعيم القوم الذي يحاول مفاجأة عبدالقادر ولكنه كان أسرع، فلم يدع الفرصة لعدوه ليصيبه، بل لم يدعه حتى يفلت بجلده، فشد عليه وعاجله بحسامه وهو مولّي الدبر ليخر الزعيم صريعا، فخلا الجو بذلك لبطلنا لينزل على أعدائه كالضيغم فيزيدهم قتلا وأسى، يختال على جواده الأصيل يشق به الجموع، ويقتحم الصفوف، لايعرف الخوف والإحجام، دأبه الجهاد وقتال الكفار إيمانا من الشاعر بأن عمله هذا من صلب الدين ومن لاغيرة له عل دينه فلا خير يرجى منه:
ونظير هذه البطولة الخارقة وذلك النسب الشريف، كان عبدالقادر أحق الناس بتحمل مسؤولية الإمارة، فقد فوجئ بها كفجأة موسى بالنبوة وهو بالوادي المقدس طوى، وتلك الأمارة أو العروس لم تذعن ولم ترض- على الرغم من كثرة طالبيها -الا لشاعرنا الذي توافرت فيه كل الخصال، فانقادت له حبيبة وعروسا يحميها ويصونها وكان الأمير عند حسن الظن فقام بالأمر على أكمل وجه. ولعل استحضار صور " العروس الحسناء " عند الشعراء وأولي الفن بصفة عامة هو شعور بالعطاء المادي والمعنوي" كما دلت على ذلك ملابسات حرب العاشر من رمضان على سبيل التمثيل القريب الشاخص، حيث اندلع الشعور بالمرأة صورة وعطاء، وعروسا، وأما وأختا وحبيبة، وخطيبة، وعروساوأما وزوجة في معارض عديدة للفنون لاسيما التشكيلية، وللخطوط العربية، وفي الأناشيد والأغاني والقصائد والقصص والخطب الرسمية والأحاديث الصحفية... ودارت موضوعات كثيرة من أنواع الفنون حول" الأنثى" مدينة أوصحراء أو منطقة حتى ليحار المرء، ماذا كان سيغني الناس لو لم يجدوا لمصر سيناء والسويس والقناة فضلا عن الجولان والقدس أسماء مؤنثة تجري عليها أحكام العروس مجازا
وليست الفروسية والبطولة عند العرب وعند شاعرنا عبارة عن وثبة على ظهر جواد، ولا ضربة سيف قوية أو, شجاعة متهورة، لكن الفروسية الحقة هي اخلاق كريمة وشمائل فاضلة عليا، لذلك حرص عبدالقادر على أن لايصدر منه أي فعل مشين أو تصرف يمس أخلاقه، بل سعى جهده إلى المروءة يبتغيها، فقد أجمع كل من تعرض لحياة عبدالقادر على أنه كان على خلق عظيم جعله موضع تقدير وإجلال من طرف الجميع، العدو قبل الصديق، سواء أكان ذلك في فترة جهاده فقد كانت معاملته للأسرى آية في الشهامة والحلم وعزة النفس(220)، أو اثناء أسره حيث كان مثالا للصبر والتجلد، فقد كان يترفع عن الصغائر ويسمو بنفسه لجلائل الأعمال وهذا مانلمسه عنده في أول مقطوعة له بالديوان، فحين يهديك صورته يحذرك من أن تغتر أو تقنع منها بالمظهر فيعجبك الشكل وتنسى الأصل والباطن،بل يطلب منك أن تمعن النظر وتتجاوز الملامح لتنفذ إلى الأعماق فتلمس حقيقة الذات الأصيلة التي تختفي وراء هذا الرسم:
ويقرر الأمير بحكمة سامية أنه لايجب أن نحكم على المرء بمظهره الخارجى: من مال وجاه، بل إن قيمة الإنسان تبدو في الخلق الحسن والأعمال الجليلة النافعة، لأن الله لاينظر إلى الصور والأجساد وإنما ينظر إلى القلوب والأفعال ومتى تجمع للإنسان حسن الخلق وجمال المظهر، فتلك هي النعمة الكبرى:
وبهذا التكامل والتوافق بين المظهر والباطن وبين الناحية المادية الشكلية، والناحية المعنوية الخلقية، تتجلى الصور المثلى للبطولة التي يسعى عبدالقادر إلى بلوغها بمكارم أخلاقه وشجاعته قولا وفعلا، علما وعملا، فهو مغرم بالتوافق بين النظرية والتطبيق:
وشاعرنا في مواقفه البطولية والأخلاقية جاد غير هازل ليس كغيره من كثير من الشعراء الذين يغرقون في الفخر إلى درجة التدجيل ويلبسون أنفسهم شمائل هم أبعد الناس عنها، فميزة الصدق في الأقوال قليلة عند الإنسان في مثل هذه المواطن لكن الشاعر يجسد أقواله على أرض الواقع فتحتمل نفسه الظمأ الشديد وتأبى أخلاقه ومروءته أن ينهل من نبع ذل حتى ولو هلك تعففا وترفعا، فالموت في هذا الموقف أشرف عند عبدالقادر الذي تطاولت أمجاده وتسامت فإذا هي جبال راسيات شامخات لايشوبها خوف ولا جبن وينعدم معها الغدر والخيانة، زانها حلم واسع وكرم بلا من، وكف عن السؤال لغنى النفس، فهو يمنح قبل أن يسأل ويبذل قبل أن يطلب منه ذلك:
و شاعرنا بأخلاقه الكريمة سمح حليم، لايحمل حقدا ولا غدرا يجد راحته وعزته في السفر، يجول في أرض الله الواسعة، يحسن لجيرانه، ينأى عنهم دون ضرر أو أذى، ناره تطاول عنان السماء تهدي السابلة والمحتاجين إلى كرم حاتمي وأمن وأمان:
وكأي من امرئ تجمعت فيه هذه المناقب والخصال، لكنه يفسدها بالظلم والجور، فتذهب مساعيه أدراج الرياح، فلا يقام له وزنا لأنه يفتقد أساس الخلق وهو العدل، وهذا ما أدركه عبدالقادر جيداً ووعاه، فنراه يؤسس إمارة العدل، فيضع الحق والقانون فوق الجميع بلا استثناء، متأسيا بالسلف الصالح، ممثلا في عمر الفاروق آملا أن تكون سيرته العادلة هذه مشعل ونبراس حق يضيء الدرب أمام الناس:
وإلى جانب هذا، أفرد الأمير في فخره حيزا لعلمه وثقافته اللذين اشتهر بهما، فقد طلب العلم منذ أن شب على الطوق وشد اليه الرحال، وتحمل في سبيل تحصيله المشاق والأهوال، فجمع بذلك بين رتبتي السيف والقلم، إذ نشأ شاعرا وفارسا، وصار حاكما عالما، عاش حياته يطلب العلم ويؤتيهما في السعة والسجن والمهجر، فقد كان معلما دائما ومقاوما للعدوان " وعبدالقادر أمير شرقي من أمراء هذا القرن الجسر بين عصر وعصر، واذا لم تكن ثقافته - من الناحية النظرية المتبعة في نقده - مثل طبيعته ووظيفته ثائرة مقابلة ومجندة لغاية يتصبب شوقا إليها ويستدعي كل طاقاته وجنوده للرباط فيها، فهي - على أقل احتمال -مواكبة لعصره وبيئته في تلك الحقبة التي بدت فيها المدينة وكأنها طفلة طلعت إلى الفناء في الغرب وكهلة تنحدر نحو العقم في الشرق:
وعبدالقادر عرفناه فارسا مغوارا وشاعرا
مجيدا، ولكنه يلفت انتباهنا إلى أننا قد علمنا شيئا وغابت
عنا أشياء، فراح يباهي ويفتخر على أعدائه بامتيازه عليهم " لروايته الحديث وعلمه
بالفقه والنحو، فالعلم والعمل به توأم الاعتقاد والسلوك ومواجهة حاجة المجتمع
بالتلبية، فلا فرق بين أن تعمل العلم للسلم أو تعمله للحرب، وخير العلماء عنده العالم
المتبحر في رواية وفهم الحديث النبوي وإيتائه طيب المورد سهل المنى، واتخاذ (
الفقه المالكي) حاكما قائما في التربية الفردية والشعبية، والتزام النظام بأصوله
وأحكامه وأدلته وأقيسته:
ثم إن هذه
الفروسية والبطولية العربيتين قد ولدتا عند الأمير روحا جماعية ورسخت
في نفسه شعورا عميقا بالجماعة" فعندما يقول عبدالقادر" نحن" فإنما يعني في ميزان النقد الأدبي تألق
الشعور الجماعي عند الفرد الواحد الذي اختير
بطريقة ما، ليعبر عن شعور الجماعة ورضاها بشعوره
وتعبيره"(234) بل ان الضمير " أنا" عند شاعرنا أصبح يعني الشعور الجماعي، ولذلك لم يكن الأمير أنانيا
في فخره إن صح القول ولم يول نفسه الحظ الأكبر من فخرياته، بل جعل ذلك مشتركا
بينه وبين صحبه الذين نصروه، وآزروه، وعزروه، فلا جرم إذن أن يصيبهم جانب من هذا
الفخر والمديح، ولم
يحتكر الأمير هذا الشرف لنفسه فحسب، بل قسمه بالتساوي بينه وبين رفاقه،
وهذا دليل " فغدوا يطلبون الجهاد ويفرحون للنزال تراهم يصولون ويجولون يلقون الرعب في قلوب عدوهم الذي أمسى حزينا مهموما لأنه يعلم أن حياته معلقة بسيوفهم:
ومن أشهر ما قاله الأمير مدحاً لهؤلاء
وفخراً بهم هذه الأبيات ( من الشعر القادري... قادري لأنه أرق
مايعثر عليه فيما يرسله القادة العسكريون إلى أحبتهم الجنود المجاهدين(240) يتشوق اليهم
ويمدحهم بقصيدة إخوانية تنهض فيها "كم" الخبرية ثلاثاً وثلاثين
مرة.
ثم يمضى واصفا هؤلاء الأحبة من غير أن يختص أحدا دون آخر بمناقب جامعة لخصائص الفروسية المثالية من كرم وجود وشهامة وإيثار، فإن كان غيرهم بالمال يضن فهم بالأرواح يجودون، يسترخصونها في سبيل أهدافهم ويضعونها على أكفهم يبتغون بذلك فضلا من الله ورضوانا، فيرضى عنهم الرحمن ويسر من أفعالهم وهم يجابهون عدوهم صابرين مرابطين غير مولّي الأدبار:
فهؤلاء الصادقون الصابرون في يوم الكريهة، يتحملون نوائب الدهر وشدائد الجهاد، بأنفس شجاعة كريمة، تنزهت وزهدت في الدنيا وزخرفها، همها الأكبر قراع الجحافل، وخوض المعارك فهم فرسان يومهم، زهاد ليلهم، تاركين ما دون ذلك لسواهم، يرون حلو الحياة ولذتها في نيل وسام الشهادة فهو عندهم منتهى الأمل:
وهكذا نرى صحب الأمير عاكفين دوما على الجهاد، يروون سيوفهم العطشى من دماء اعداء الله والوطن، ينزلون على عدوهم وينقضون عليه انقضاض الصقر الجارح على فريسته، فلا يجد العدو من دونهم عاصما فلا الجبال والكهوف تمنع عنهم الضربات القاتلة، حتى صغار الجند- هؤلاء الأشبال- لاتعرف الشكوى إلى نفوسهم سبيلا يخوضون غمار الحرب ويصطلون بنارها كآبائهم . أوليست هذه الأشبال من تلك الاسود؟ توارثوا الشجاعة والإقدام والصبر أبا عن جد فحافظوا على الإرث وهم على الدرب سائرون:
وتأتي (كم) الخبرية لتنهض بحشد صور هؤلاء الفرسان فتربط بين الماضي التليد والحاضر المأمول، فهم المجتمعون على المنافسة والمسارعة والمحاربة والمضاربة، والمغالبة والمصابرة، والمكابرة والمغادرة والمجاهدة والمطاردة والتجلد، والإدلاج والإزعاج، وإسراج الجياد،وتشريد العدو وتبديد شمله، وجمع كلمة المجاهدين على الحق والجهاد، في وطن واحد وملة واحدة، يصدر منها عمل موحد مفروضا فرضا مقدسا من لدن إله واحد، يجد فيه المؤمن الحقيقي الأمان والسكينة ويهب لافتدائه متى نادى منادي الجهاد إلى ذلك:
ومن كانت هذه خصاله فمن غير شك أن نفسه تهفو دوما للقتال وتحن إلى سماع صليل السيوف وصهيل الخيل، وتستبشر باليوم الذي تدق فيه طبول المعركة - أن حي على الجهاد- فتعم الفرحة، ويتسابق الأبطال لجندلة الأعداء ومسح سيوفهم الملطخة دما في ثياب الصرعى من القوم، لترد إلى اغمادها بيضاء تلمع تسر الناظرين:
فالشهادة لديهم مبتغى الأمل، يحرصون عليها لينالوا شرف الدنيا والآخرة، وينعمون بفضل من الله ورضوانا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، يتسابقون إليها تسابق غيرهم لنيل عرض الدنيا وحطامها الزائل، يستبشرون لأخيهم الذي قضى نحبه تحت ظلال السيوف شهيدا، يود كل بطل منهم لوكان مكانه، فيحوز شرفا عاليا، وذكرا دائما، فالعار العار عندهم أن يلقى الإنسان ربه بعيدا عن ساحة الوغى فيموت حتف أنفه ميتة البعير، وإن كان حقه، بل حق الفروسية والبطولة أن يموت بين السيوف:
ويكون مسك ختام هذه القصيدة دعوات ضارعة من الشاعر تذكرنا بدعوات جده المصطفى (ص) لأصحابه وجنده لحظة لقاء العدو، لتثبيتهم وزرع الطمأنينة في قلوبهم، ودعوة المولى لنصرهم وبث الرعب والهلع في صفوف اعدائهم، فتذهب ريحهم، ويلين عودهم، فلا يلبثون في ساح الوغى الا عشية أو ضحاها، والملاحظ على دعوات الأمير أنها لاعلاقة لها بهذه الدنيا، فهو يرجو ربه لجنده الصبر الجميل والنصر المبين، والفتح العظيم، والعفو الدائم، والرحمة الشاملة، وعداً من الله لعباده ومن وأوفى من الله عهدا؟
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||