|
وصل الأمير الأستانة عن طريق
صقلية فدخلها يوم الجمعة 28 ربيـــع
الأول 1269 هـ /8 يناير 1853م (140) وفور وصوله توجه لزيارة ضريح الصحابي
الجليـل أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري (رضي الله عنه) عند سور
القسطنطينية، ولما فرغ منها
توجـه إلى جامع صوفيا، فزاره وقابل الصدر الأعظم المرحوم مصطفى رشيد
باشا الذي أكرمه وأحسن استقباله . وفي يومه الثالث
دعي لمقابلة السلطان عبدالمجيد
الأول الذي رحب بالأميــر شاكرا أفعاله وخصاله في الذود
عن
حياض الدين والوطن، وامتدحه الأمير بقصــيدة طويلة عدد فيها مناقب ومفاخر
آل عثمان وحرصهم على الدفاع على
الإسلام وسعيهـم للحفاظ على عزته وقوته داعيا له بالنصر. انقضت عشرة أيام في
الآستانة، كانت حافلة بالزيارات تبادل فيها التحيـــات والأشعار ليغادرها
عبدالقادر إلى بروسة حيث استقبله خليل باشا صهر السلطان بغاية
التبجيل وأنزله منزلا كريما، ولما نظر الأمير إلى موقع المدينة
ألفاها
شبيهة بمدينـة تلمسان، فجاشت كوامن الشعر وأنشد:
|
أما
الخيام فإنها كخيامهم |
|
|
|
وأرى
نساء الحي غير نسائها
|
واستقر عبدالقادر
بهذه المدينة ينعم بالهدوء والدعة، يحظى بكل تقدير
وتبجيل واحترام من العام والخاص معتكفا على القراءة والتدريس، وكانت
صلواته الخمس
في الجامع القريب من سكناه المعروف بجامع العرب، حيث كان يلقى فيه
الدروس فـدرس
فيه " ألفية ابن مالك بشرح المكودي والسنوسية بشرح المصنف والإبريز في
مناقـب سيدي
عبدالعزيز" كما ألف في هذه الفترة من إقامته ببروسة " ذكرى
العاقل وتنبيـه
الغافل"
. ومع أن الأمير
كان في أرض إسلامية وبين إخوانه في الدين، إلا
أنه كان دائم
الإحساس بالغربة والحنين إلى وطنه الجزائر، ولعل مرد ذلك كما
يذكر تشرشل:" إلى أنه
لم يكن بينه وبين الأتراك عاطفة ممكنة ولا يمكن أن تكون أبدا، فعلماؤهم كانــوا
يحسدونه ويكرهونه لعلمه الغزير، وكانت طبقة الأفندية منهم في فخرها
المتشامخ قلما تتنازل لتلاحظه". غادر
الأمير بروسة وولى وجهته شطر دمشق
الفيحاء عاصمة بني أمية . ينشد الراحة والاستقرار اللذين افتقدهما في
بروسة خاصة
بعد الزلزال العنيف الذي هز هذه الأخيرة 1855م
. وصدرت الأوامر
إلى والي دمشق
بأن يعد أحسن استقبال لعبد القادر وأن يهيىء له كل الشروط الملائمة
لاستقراره في
دمشق، وفور وصول الأمير إليها توجه " إلى ضريح العارف بالله الشيخ
الأكبر والكبير الأحمر
سيدي محيي الدين بن عربي رضي الله عنه، وبعد أن زاره وتبرك به
توجه إلى
المحل المعد لنزوله بدار عزت باشا الرئيسي. وكما
كان الامير محور اهتمام العلماء
والفقهاء، وكبار القوم، أنى حل، فقد وجد نفسه أيضا في دمشق محط
الانظار، فشهرته قد سبقته
إلى هناك وتهافت القوم زرافات
ووحدانا لرؤيته والتشرف
بملاقاته، ملاقاة رجل حاز من المجد مالم ينله إلا القليل النادر،
أليست تشفع له ألقابه الثلاث لترفعه مكانا عاليا في عيون الناس، فكونه
شريفا من نسب خاتم الأنبياء والمرسلين، وعالما وأديبا فقيها،
ومجاهدا بطلا قاتل في سبيل الله
بماله وروحه ابتغاء مرضاته، أفنى زهرة عمره في مواقع النزال بين
قعقعة السلاح وسنابك الخيل، طلب الموت فوهبت له الحياة، فإذا ما
قال
رجل عظيم كفولتير:" ماعلي إذا لم يكن لي صولجان أليس لي قلم؟ فإن ميزة
الأمير أنه كان له صولجان وكان له
قلم". وهكذا عرف الأمير في دمشق، مما
دفع القوم إلى مطالبته بالعودة إلى
التدريس فلبى رغبتهم بكل امتنان " وتكونت حلقة درس ديني
مؤلفة
من نيف وستين طالبا وكانت تجتمع يوميا في الجامع الكبير، وكان الأمير
يرأسها ولا يتخلف عن حضورها" وقد كان
القرآن الكريم والحديث الشريف أساسا الدروس والمناقشات ولكن خلافا للمعلمين
العاديين الذين لاتمتد قواهم العقلية إلى أكثر من ملاحظات وتعاليق
عتيقة بالية عن الكتب المقدسة، فإن عبدالقادر قد أثار استغراب
أتباعه
وأثلج صدورهم باختياره للنصوص من أعمال أفلاطون وارسطو وأحيانا حتى
من مؤلفين في درجة أدنى من هذين
سمعة " كما قرأ على طلابه في دمشق "كتاب الإبريز لابن مبارك والشفا
للقاضي عياض، ويبدو أن الحاجة مازالت ملحة على صحة الاعتقاد في
التوحيد لمواجهة صعاب متشابهة
فأعاد أيضا إقراء الجلوس حوله " العقائد النفيسة" ونحوها وكذلك صحيح مسلم وجلس
مجالس عامة، وأخرى خاصة للتدريس ". ولحرص الأمير على العلم
ونشره" فإنه اشترى في دمشق داراً خصصها له وسماها دار الحديث." وأصبح الأمير
العالم، كالنحلة يتنقل من روضة إلى أخرى ومن جامع إلى آخر يشرح
ويبين
ويعلق،" فتارة في مدرسة الجمقمقية، وأخرى في المشهد الحسيني
والمشهد
السفرجلاني، وثالثة بالجامع
الأموي، وبعد رجوعه من رحلة الحجاز جعل التدريس في منزل الضيوف من
داره." ومع إطلالة شهر رمضان المبارك
كان الأمير يعتكف بالجامع الأموي
يشمر عن ساعد العمل، فتراه الناسك المتعبد الزاهد، والعالم الفقيه
الحجة يبحث وينقب ليفيد ويستفيد،ومن شدة حرصه على الأمانة
العلمية كان يتحراها من مصادرها وأصولها
الأولى، وكثير ما شغلته التحقيقات العلمية للكتب فنراه مثلا يرسل "
من دمشق إ'لى قونية عالمين من جلساء مجلسه هما الشيخ طنطاوي
وتلميذه الشيخ محمد الطيب
لمقابلة مخطوطه الخاص للفتوحات المكية لابن عربي على النسخة التي توجد
بخط المؤلف هناك، وكان ذلك عام 1288هـ أي قبل وفاته باثنتي عشرة
سنة
فقط"
. وفي هذه الفترة من إقامته بدمشق
استطاع عبدالقادر أن يؤلف موسوعته الجامعة " كتاب المواقف
" " أقدم فيها على تناول القضايا العويصة في تاريخ الفكر الإسلامي وبث
فيها أراءه الإصلاحية بثا ثبتا دقيقا آملا متفائلا بتحقيق رجائه
الودود
المنشود في الإصلاح"
وكان تأليف هذا المؤلف الضخم
حصيلة لثقافة الأمير الصوفية كما جاء استجابة لطلب
بعض العلماء الذين التمسوا في الأمير أن يدون لهم ما يلقيه في دروسه وما
يتكلم به في مجالسه.
موقفه من أحداث
الشام
الطائفية عاش الأمير حياته
الهادئة المشبعة علما وتدريسا وعبادة في
دمشق الفيحاء بكل أمن وراحة يرعى أبناءه، ويمد يد العون والمساعدة لكل
محتاج، ولم يكدر صفو هذه الحياة الهانئة سوى أحداث الفتنة
الطائفية الكبرى التي وقعت بين
الدروز والموارنة بعد أربع سنوات من استقرار الأمير بدمشق. وللحقيقة، فإن مثل
هذه الاضطرابات كانت تحدث بين الحين والآخر بين شتى الطوائف في الشام،
ولكن هذه الفتنة كانت عامة وخطيرة حتى بلغت درجة تكاد توصف
بالحرب.
ويكاد يتفق كتاب ومؤرخو هذه
الأحداث على أن الأقدار لعبت دورا هاما في حماية مسيحيي الشام عن
طريق الموقف الإسلامي النبيل الذي وقفه الأمير بكل بطولة وشهامة لحماية
هؤلاء النصارى. انطلقت شرارة هذه الفتنة بدمشق
" يوم الإثنين 12 ذي الحجة عام 1276
هـ الموافق لـ 10يوليو 1860م أشعل فتيلها طفل صغير، فامتد لهيبها لتصبح
مذبحة كبرى، أودت بحياة الكثير من الناس وعلى الرغم مما أجراه
الأمير
من اتصالات مع الوالي التركي "أحمد باشا" وما بذله من مجهودات جبارة
لاحتواء الفتنة مع اندلاعها الا أن
مساعيه لم تجد آذانا ذاك صاغية ذلك " أن الوالي تصامم ولم يحرك ساكنا لأنه
كان يجهل ما كان يجري في الأحياء بين الجماعات من أحاديث تنم
عن
العداء للنصارى الذين اضطهدوا المسلمين في جبل لبنان" . ولم يترك الأمير
باباً
إلا ولجه، فاجتمع بأعيان ووجهاء دمشق مخاطبا إياهم:" إن الأديان وفي
مقدمتها الدين الإسلامي أجل وأقدس من أن
يكون خنجر جهالة، أو معول طيش أو صرخات نذالة، تدوي بها أفواه الحثالة
من القوم ... أحذركم من أن تجعلوا لشيطان الجهل فيكم نصيبا، وأن
يكون
له على نفوسكم سبيل"، لكن جهوده لإيقاف نزيف هذه المذبحة لم يكتب
لها النجاة فتظافرت عوامل كثيرة على
إذكاء نار العداوة حتى وقعت الكارثة فعلق الأمير عليها بكل حسرة،
قائلا:" هذا ما كنا نحاذره ونحذر الناس منه قد وقع، إنا لله وإنا
إليه
راجعون." وهب الأمير مع أول نذير لهذه المذبحة يجمع الرجال
المغاربة ويرسلهم إلى الأحياء المسيحية
لرد المهاجمين ودعوتهم إلى التعقل والتريث وفتح بيته للفارين من النصارى،
بل إنه أمر جيرانه الأقربين" أن يخلوا منازلهم لتوفير المأوى
لهؤلاء
الفارين المنكوبين " واستمرت هذه الفتنة قائمة ونارها مشتعلة أربعة
عشر يوما، كل ذلك والأمير مشتغل
بأخذ الوسائل ليتوصل إلى إخمادها باذلا جهده ومساعيه، ولم يدخل بيته في
أيامها، بل كان يجلس على سجادة في دهليزه ولا يهجع من الليل إلا
قليلا .
وتوجت هذه
المجهودات الإنسانية بنتائج باهرة دعت الجميع من
المسلمين
والنصارى إلى إكباره والإعجاب بنبل أخلاقه وعلو نفسه وبقدر ماكانت
النتائج كانت
التضحيات حيث دفع عدد من الجزائريين أرواحهم، وكان من بينهم رفقاء الأمير
في جهاده. ومع
انتهاء فصول هذه المأساة استطاع الأمير ومعاونوه أن ينقذ " خمسة
عشر ألف
نسمة ينتمون إلى الكنيسة الشرقية من الموت، بل مما هو أسوأ من الموت،
بشجاعته النادرة ونشاطه
الذي لا يكل وحماسه المتحرر
". وهكذا أتيح
للأمير أن يثبت لأولئك الذين
شكوا يوما في شهامته أنه انسان وعظيم يقدر المواقف ولا يحمل في
صدره غلا
ولا حقدا ويكفيه شرفا " أن كل ممثلي الدول المسيحية الذين كانوا يقيمون
عندئذ في
دمشق مدينون بدون استثناء لعبد القادر بحياتهم. إنه لقدر فريد وغريب من نوعه
أن عربيا
قد وضع درعه الواقي فوق كرامة أوربا الجريحة، وأن حفيد النبي قد وقى
وحمى قريبه
اوربا المسيح" . وبذلك أضاف الأمير وساما آخر على صدره بموقفه
الإنساني الذي
أملاه عليه دينه وإيمانه وأخلاقه، حيث يؤكد ذلك بقوله في إحدى ردوده على
رسائل الشكر
التي وردت إليه:" والذي بلغكم عنا ورضيتم به منا من حماية أهل الذمة
والعهد والذود عن أنفسهم
وأعراضهم بقدر الطاقة والجهد هو - كما في كريم علمكم- مقتضى
أوامر الشريعة السنية
والمروءة الإنسانية، فإن شريعتنا متممة لمكارم الأخلاق فهي
مشتملة على
جميع المحامد الموجبة لاتلاف اشتمال الأتواق على الأعناق والبغي في كل
الملل مذموم
ومرتعه وخيم مرتكبه، ولكن:
|
يُقضَى
على المرء في أيام محنته |
|
|
|
حتى يرى
حَسَناً ما ليس بالحسن
|
وتقديرا من
الجميع لهذا الموقف النبيل، انهالت على الأمير
رسائل الشكر
والامتنان من كافة الأنحاء مصحوبة " بالنياشين وشارات الفخر
والتقدير من
جميع ملوك ورؤساء الدول ونوهت به كبريات الصحف العالمية وأشادت بخصاله
الكريمة
ومواقفه الإنسانية ومما جاء في
إحدى الصحف مقولة أوردها محمد بن عبدالقادر في مؤلفه
حيث ذكرت هذه الصحيفة " أنه يوجد في
ذات عبدالقادر أمران: أحدهما أمير الجزائر
والعدو المخيف للفرنسيين من 1830 1847، والثانى الأمير
الآن
في سوريا، المخلص لألوف من النفوس في حادثة دمشق المهولة سنة 1860م فالأمير
هو الرجل الوحيد الذي ظهر في
مكانين بعيدين بصورتين مختلفتين، وأمسى الفرنسيون مدينين
له
بدين هم مجبرون على أدائه له . الأمير عبدالقادر هو ذلك الرجل الباسل الذي
أبدى أموراً وأعمالاً لم يكن أحد
يتصورها، ولذلك كانت جديرة بأن تدون في أجمل تواريخ العالم وآخر مانقول:
إن عدونا القديم في الجزائر قد جعله الله الآن سببا لإنقاذ
المسيحيين في
الشام"
. وبعد أن هدأت الأحوال وخمدت
العاصفة وعاد الأمن والاستقرار إلى الناس في أنفسهم
وأموالهم وأعراضهم بعد تلك الحوادث المؤسفة، قرر الأمير أن يزور حماه
وحمص، تدفعه في ذلك رغبة ملحة" فقد كان متعطشا لزيارة السيدين
الجليلين سيف الله خالد بن
الوليد وخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز رضي الله
عنهما. بعدها تاقت نفس عبدالقادروتحركت
كوامن الشوق والحنين في نفسه لزيارة البلد الحرام ومهبط
الوحي والرسالة، والتشرف بالوقوف بين يدي الرسول الأعظم(ص) فركب إلى
الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة التي أقام بها فترة واغتنم
الفرصة
لزيارة بعض معالمها وعلمائها، وكان محل ترحيب وإكرام من قناصل الدول
ووجهاء الشعب المصري وأعيانه، ومنها
إلى السويس حيث أبحر إلى جدة . وفور وصوله إلى مكة
استقبله العلماء والفقهاء
والأدباء الذين جعلوا من هذا المكان الأمين - محل إقامتهم
الدائم
- بما يليق برجل كعبد القادر من الاحترام والحفاوة والمودة، فكثر
زواره، فأفرد العشر الأوائل من وصوله
إلى مكة لاستقبال زواره، ثم طلب أن يترك على انفراد وانعزل عن الناس
منغلقا على نفسه معتكفا في حجرته لا يبارحها إلا للذهاب إلى
المسجد، وكرس كل وقته للدراسات
الدينية والعبادة" واختار
الشيخ محمد
الفاسي المجاور في مكة أستاذاً له يأخذ عليه الطريقة "وحصل له
في مكة فضل عظيم، وفتح نوراني أشار إليهما في قصيدته الصوفية
التي امتدح
بها شيخه الفاسي والتي يقول في مطلعها:
|
أمسعود
جاء السعد والخير واليسر |
|
|
|
وولت
جيوش النحس ليس لها ذكر
|
وبعد أن أتم الحج تاقت نفسه
للراحة فتوجه إلى مدينة الطائف ذات الموقع الجميل ومكث بها ثلاثة
اشهر ومنها إلى جدة، حيث أبحر إلى ميناء" الرانس " فاستقبله حاكم المدينة وشيخ
الحرم النبوي وارتحلوا جميعا إلى يثرب ومكث الأمير بجوار الرسول يتعبد
ويصوم" مدمنا على أداء وظيفة أوراده في الخلوة والجلوة، لم
يلحقه
من ذلك فتور. وداوم على زيارة قبور الصحابة
وشهداء العقيدة في أحد والصلاة في مسجد
قباء. وقد دامت هذه الرحلة الدينية
المباركة سنة ونصف، ليعود بعدها الأمير إلى دمشق مارا
بمصر، حيث حظي بمقابلة الخديوي اسماعيل باشا، ومنها إلى
الإسكندرية، فبيروت ثم
دمشق. استقر الأمير بدمشق
ما شاء له بعد عودته من رحلته الحجازية، وفي 27 ذي
القعدة 1282 هـ/ 10 أبريل 1865 م قام بزيارة بيروت فالآستانة " حيث
أكرمت الدولة العلية نزله، وأظهرت من الاحتفال به أكمله، ومن
الإكرام أجزله"، وقابل السلطان
العثماني عبدالعزيز، وانتهز الفرصة فعرض على الخليفة العثماني " شفاعته في
أعيان
دمشق الذين حكم عليهم الديوان
العرفي بالنفي إثر فتنة دمشق ونفوا إلى قبرص ورودوس فلبى
السلطان رجاءه وأصدر" إرادة سنية" بإطلاق هؤلاء الأعيان
واعادتهم إلى
بلادهم"
. ومكث عبدالقادر في الآستانة
شهرين، ثم بارحها إلى فرنسا فزار مرسيليا وليون
وباريس، واستقبل استقبالا عظيما فسبحان مغير الأحوال ومن
فرنسا
توجه إلى لندن" حيث استقبله وزير الخارجية في جماعة من الأعيان
بالإعزار والإعظام نيابة عن الملكة وولي
العهد، وبعدما أقام بها أياما رجع إلى باريس ثانية حيث أمر الإمبراطور
نابليون بزيادة المنحة المخصصة له، ومنها إلى دمشق. وكان مهرجان افتتاح قناة
السويس فرصة للأمير ليزور ثانية أرض الكنانة حيث لبى الدعوة
التي
وجهت إليه ليحضر هذا الحدث التاريخي الهام بجانب الملوك والوزراء
والاعيان، وهي شهادة على ماكان يتمتع به
عبدالقادر آنذاك من تقدير واحترام " وقد أجمعت الروايات والصور
والرسوم على أن عبدالقادر لم يشارك الحاضرين صخبهم وتبذلهم، فقد
حبسه
الوقار والاستنكار عن مجاراتهم وانصرف إلى التنزه في تلك المناطق التي كانت
قد أعجبته من قبل. وفور انتهاء مراسيم
الاحتفال عاد الأمير إلى دمشق وحدث أمر طريف، حيث أشيع نبأ وفاته،
فانتشر الخبر في سائر الأماكن وانهالت رسائل التعازي على
أسرته،
ولما علم بذلك قال:" إن الموت لابد منه عند نهاية الأجل، والحمد لله
الذي أراني وأسمعني مايقال في جانبي
من الخير بعدي، وهذا نادر الوقوع وغريب الاتفاق".
وفــاتــه كان الأمير يتمتع
بصحة جيدة في شبابه وشيخوخته على الرغم مما
تحمله من نوائب الدهر ومصائب الزمن من جهاد وكفاح وأسر في سبيل الله
والوطن، حيث تحمل ذلك بجلد وصبر ونفس قوية إلى أن أصيب في آخر
أيامه
" بورم في خصيته يمنعه من الإسراع في المشي إلى جانب إصابته بمرض
الكلى والمثانة، ومع ذلك لم " يظهر
ضجرا ولا
تأوها قط ولا ترك
الصلاة في وقت من الأوقات"وفي الساعة السابعة من ليلة
يوم السبت 19 رجب 1300 هـ / 24 مايو 1883 م " لبى نداء ربه بنفس راضية
مرضية وذلك في قصره في قرية دمر بضاحية دمشق عن عمر يناهز 76 حولا،
واهتزت دمشق
وما جاورها لهذا المصاب الجلل، وسرعان ما ذاع الخبر في جميع الأنحاء فعم
الحزن والأسى كل من
يعرف عبدالقادر. وفي
صباح اليوم الموالي نقل إلى بيته في دمشق، وبعد
تجهيزه والصلاة عليه في جامع بني أمية، حملت جنازته إلى الصالحية في موكب
شعبي ورسمي
رهيب حيث خرجت دمشق عن بكرة أبيها لتودع هذا الرجل العظيم إلى مثواه
الأخير، ولتلقي عليه نظرة
الوداع قبل أن يوارى جسده الطاهر" بجوار الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين
بن عربي داخل القبة"، وبدأ سيل برقيات التعازي ينهال على أسرة
الأمير من
ملوك العالم والوزراء والأعيان والعلماء ينعون فيها الفقيد العظيم مشيدين
بخصاله الحميدة. ومن بين
مئات القصائد التي نظمت في رثائه اختار أهله أبياتا للشيخ عبدالمجيد الخالي
فنقشت على قبره:
|
لله
أُفْقٌ صار مشرق دارتـــي |
|
|
|
قمرين،
هــلاّ من ديار المـــــغربِ |
|
الشيخ
محيى الدين، ختْم الأوليـا |
|
|
|
قمر
الــفتوحات، الفريد الشَّــــرِب |
|
والفرد
عبدالقادر الحسني الأمير |
|
|
|
قمر
المواقف .ذا الولي ابن النبـي |
|
من نال،
معْ أعلى رفيق .أرّخوا: |
|
|
|
أذكى
مقامات الشهــــــود الأقرب |
|