|
|
|
نقض معاهدة التافنة | |
|
منظر لمدينة قسنطينة |
عين الماريشال فالي حاكما عاما على الجزائر في 30نوفمبر1837 (وللعلم شارك هذا في الهجوم على قسنطينطة واقتحامها) وقد طلب عند تعيينه تعليمات واضحة من سلطة بلاده عن مهمته في الجزائر فجاءه الرد التالي : التمسك بمبدأ امتلاك الجزائر ويجب ان يكون المفهوم من عبارة وادي القدرة وما ورائه الواردة في معاهدة التافنة كل البلاد الواقعة في اقليم الجزائر و الواقعة وراء وادي القدرة حتى اقليم قسنطينة وان وضوح الدليل مستقل عن الاعتبارات السياسية لا يسمح باي تنازل عن هذه النقطة وما دمنا أسياد قسنطينة فاننا لا نستطيع البقاء بدون ارضية تصلنا به. وارسل شارل فالي CHARLES VALLèeهذه التعليمات إلى الامير عبد القادر واخذ في مفاوضاته على شروط تنفيذها ولكن الأمير اتخذ الإجراء المناسب والعملي بشان المنطقة المتنازع عليها التي تصل بين الجزائر وقسنطينة فركز جهوده للسيطرة على كل الناطق التي تقع جنوب التيطري ( المدية ) وامسك بقبضته القية على كل القبائا الواقعة على حدود إقليم قسنطينة وأرسل كل قواته فاحتلت كل الاراضي المتنازع عليها وراء وادي القدرة. بالاضافة الى ذلك جعل هذه الاراضي مسرحا لنموذج من أعماله الصارمة التي لا تعرف المساومة نحو الذين خانوا الدين فهناك مجموعة من الكراغلة كانت قد استوطنت هناك حديثا تحت حماية الفرنسيين وقد دعاهم الأمير إلى قطع علاقتهم مع الفرنسيين لكنهم رفضوا وكان الفرنسيون يمدونهم بالسلاح والذخيرة حتى يقاوموا الامير لكنه انقض عليهم وشتت شملهم وقطع راس قائدهم العميل وفي الحال اعلنت كل قبائل مقاطعة سباو الواسعة خضوعها وقد عين الامير خليفة عليهم يدعى احمد بن سالم واصبح الامير بلا منازع صاحب السيادة المطلقة على ثلثي الجزائر وان المناطق التي احتلها أخيرا والتي تقع في جنوبي شرقي اقليم الجزائر كانت ذات فائدة كبيرة للفرنسيين لان معسكرهم في قسنطينة كان يعتمد في مواده الغذائية عليها فاخذوا يشعرون بعد هذا الحادث ان الامير بمكنه في اي لحظة ان يوقف الامداد والتموين عنهم وقد عرف الأمير عبد القادر ديبلوماسي لتغطية تحركه العسكري فكتب رسالة الى ملك فرنسا لويس فيليب يشكره على هديته التي ارسلها عند التوقيع على معاهدة التافنة وقد حمل رسالته مولود بن عراش والوسيط اليهودي مردخان بن داران واخذا معهما ستة احصنة عربية اصيلة وكانت مهمة الوفد تتجاوز حدود المجاملة فقد كان على الموفدين تهدئة المخاوف الفرنسية من جهة والتفافهم في مضوع بقاء المنطقة المتنازع عليها تحت سلطة الامير من جهة اخرى غير ان هذا الوفد جاء من مهمته فاشلا وعلم المير وهو في تاقدمت ( جنوب تيارت ) يوم 10جانفي1839 عن طريق وفد بتصميم فرنسا على التوسع والاستيلاء على ما ضمه الأمير إليه فكان رده لمقربيه : " ابدا،ابدا لن اصادق على معاهدة تمنح الفرنسيين جسرا ارضيا بين قسنطينة والجزائر لأخسر بذلك كل الثمار التي جنيتها نتيجة لقصر نظرهم بجعل الجزائر محاطة بحلقة مكونة من البحر والشفة وجبال الاطلس الصغرى الواقعة مباشرة فوق وادي القدرة " ولكن على الرغم من هذا الرد الحاسم فقد استمر الامير عبد القادر في بذل جهده المستطاع لتجنب اندلاع الحرب وتابع اتصالاته بالماريشال فالي الذي رغب ايضا في بذل الجهود لتحقيق اهداف فرنسا بطريقة سلمية فأرسل الظابط دوسال في شهر فيفري1839الى مليانة حيث كان الأمير قد عقد مؤتمرا لكل القادة والشيوخ لاستشارتهم وتحدث دوسال الى المؤتمرين فكان جوابهم جميعا "الحرب اولى من التنازل عن المناطق المتنازع عليها" وعزز الامير جهوده السلمية بكتابة عدد من الرسائل الى ملك فرنسا لويس فليب والى وزير حربيته غير ان كل هذه الجهود بارسال الدوق هنري duc henri وهوالابن الرابع للملك لويس فيليب والذي ما ان وصل الى الجزائر حتى بدا عمله بالاشراف على حملة تتحرك من ميلة (التي تقع غرب قسنطينة) مارة بمضيق باب الجديد عابرة المنطقة المتنازع عليها متقدمة الى مدينة الجزائر واحيطت خطة العملية بنطاق محكم من الكتمان والسرية وباتت القوات الفرنسية تحركها نحو بجاية فاسرعت القبائل للدفاع عن بلادها وغادر الماريشال فالي والدوق هنري مدينة ميلة يوم18اكتوبر1839 ووصلا الى مدينة سطيف من اتجاهين متقابلين يوم21 من نفس الشهر والسنة طبعا وطلب شيوخ القبائل مقابلة المسؤولين الفرنسيين وعندما قابلهم كبار الضبلط ابزوا لهم جوازات سفر تحمل ختم الامير عبد القادر التي تسمح للقوات الفرنسية بالمرور فرضى الشيوخ بذلك وكانت هذه الجوازات مزورة كما كان ختم الأمير قد زور ايضا وبدلا من دخول جبال القبائل عادت القوات التي تحركت نحو بجاية ثم تقدمت نحو باب الجديد بعد ان انضمت الى قوات فالي وقام شيوخ القبائل بدور الادلاء المرشدين عند الطريق و عبر المنطقة الجبلية الصعبة وكانوا مغتبطين بتسهيل تقدم اصدقاء الامير وبفضل هذه الخدعة مرت القوات الفرنسية المؤلفة من5000مقاتل تقريبا عبر المضيق الهائل لباب الجديد دون طلقة واحدة ولو كان الأمير هناك بقوة لا تزيد عن500 رجل لما كان بوسع الفرنسيين دخول باب الجديد او الخروج منه . مر الفرنسيون في اليوم التالي وسط قبيلة بني منصور التي باغتتهم كما لو نزلت عليهم من السماء ووصلت القوات الفرنسية يوم 31اكتوبر1839 الى بني يني (ولاية تيزي وزو) ولم يكن لبن سالم خليفة الاميرعبد القادر في تلك المنطقة ولم يكن لهم الوقت الكافي للاستعداد من اجل المواجهة ومنع الفرنسيين من التقدم لذلك اندهش عندما سمع بتقدمهم واخذ في الاستعداد متاخرااذ لم يلبث الدوق هنري والماريشال فالي ان دخلا الجزائر يوم 31جانفي1839 دخول المنتصرين واستقبلوا فيه استقبال الفاتحين وقد دامت هذه الاحتفالات اربعة ايام كاملة واقيم احتفال ضخم بساحة باب الواد(بلدية بالعاصمة) عندما أعلن الامير وهو في تاقدامت (جنوب تيارت) بهذا الانتهاك والتعدي الصارخ ركب فرسه وسار ليلا ونهاراحتى وصل مدينة المدية بعد48 ساعة وارسل الى فالي برقية احتجاج شديدة اللهجة كما كاتب خليفته على منطقة البويرة احمد بن سالم برسالة لمجابهة الموقف الجديدهذا نصها:"ان خرق الاتفاق جاء من المسيحيين ان العدو اماكم اجمعوا امركم واستعدوا للمعركة ان الدعوة للجهاد قد وجهت الى كل مكان وانت رجل هذه الجهات واني اضعك هناك لتمنع دخول العدو احذروا البلبلة اربطو احزمتكم وكونو مستعدين لكل شئ كونوا على مستوى الحوادث وتعلموا الصبر فوق كل شئ لا تدعوا للفقر الانساني مجالا بينكم انها محن ارادها الله وان هذه المحن قد خالطت مصير كل مسلم صالح تعهد ان يموت من اجل دينه وسيكون النصر ان شاء لله حليف خطاكم والسلام من عبد القادر بن محي الدين ". وفي الوقت ذاته وجه رسائل ذات مضمون واحد الى كل خلفاءه جاء فيها:"ان الكافر قد جابهنا بالخيانة ودليل خيانته واضح كالنهار لقد عبر بلادي دون اذني فاجمعوا شملكم واربطوا احزميكم استعدادا للمعركة انها على الابواب وان الخزينة العامة غير غنية وانتم أنفسكم لا تملكون النقود الكافية تحت ايديكم لتواجهوا الحرب فاجيبوا اذن حالما تتلقون الاوامر بضريبة اضافية كونوا عجلين في عملكم وسارعوا الى الانضمام الي في المدية حيث انتظركم" واجتمع الشيوخ والخلفاء والزعماء في المدية واستمر النقاش طويلا وطرحت قضية الحرب فنادت جميع الاصوات بالجهاد باستثناء واحد فاجاب الامير عبدالقادر : " ليكن ذاك ما دامت هذه رغبتكم ولكنني اقبل المسؤولية بشرط واحد انكم ستتعرضون ألى التعب والمشقة والمحن والخيبات وقد تقنطون او تتعبون من الحرب فاقسموا لي اذن على القران الكريم انكم لن تتخلوا عني ابدا ما دمت احمل راية الجهاد" فاقسم له جميع الشيوخ والخلفاء وفي يوم 28 نوفمبر1839م اعلن الامير عبد القادر الحرب رسميا على الفرنسيين وذلك ضمن رسالة وجهها الى الماريشال فالي هذا نصها :"من الحج عبد القادر امير المؤمنين الى الماريشال فالي السلام على من اتبع الهدى لقد اتصلت باول رسائلك واخرها وقد قراناها وفهمنا محتواها لقد سبق لي ان اخبرتكم بان جميع العرب مجمعون على الجهاد وقد بذلت كل مجهوداتي لتهدئتهم لكن بدون جدوى ويجب على طبقا لشريعتنا الخضوع للاجماع واني اعمل بوفاء لكم حين اخبركم بما يجري فارسلو الي قنصلي الذي هو في وهران ويمكنه ان يعود الى اسرته وكونوا مستعدين فالمسمون جميعا قد اعلنوا الجهاد ومهما حدث فانكم لن تستطيعوا اتهامي بنقض العهود ان قلبي صاف ولن تجدوني اعمل خلافا للعدل كتب مساء الاثنين بالمدية في الحادي عشر من شهر محرم سنة1255هـ الموافق ل18 نوفمبر 1839 ولم تمض ساعات على اعلان الحرب حتى كان الأمير عبد القادر يقف فوق مرتفعات بني صالح ليتابع منظرا نادرا ما يحدث في التاريخ لقد تدفقت جموع العرب و قبائلهم فغطت سهول مدينة الجزائر في حين كانت افواج جديدة تنحدر من مختلف الجبال المجاورة لتنظم الى ذلك الحشد الهائل وغصت مضائق الاطلس وشعابه بالفرسان والمشاة لقد انحدروا وكانهم انهيارات ثلجية حطت فوق سهول مدينة الجزائر. كان خليفتا المدية و مليانة قد عبرا نهر الشلف يتقدمان جنودهما واحاط احمد بن سالم بجيشه من القبائل بالمراكز والمستعمرات الفرنسية المنعزلة من الشرق وجاء اهل حجوط هائجين من الغرب وفي الحال هوجمت المستعمرات والمراكز الفرنسية وخربت المزارع وغطى دخان القرى المحترقة الجو فاظلم وهرب الفرنسيون الى مدينة الجزائر التي ملأتها الشائعات المرعبة عن قوة العرب فجلى الفرنسيون منازلهم واتجه الامير بقواته لمهاجمة قلعة بودور لكن هنا ظهرت اول صدمة عنيفة حيث استطاعت نيران المدفعية الفرنسية ايقاف موجة المجاهدين بفضل كثافة نيرانها ودقتها فتحركت قيادة فالي بسرعة ودعمت حاميتها بصورة خاصة في البليدة وبوفاريك واعلنت الحكومة الفرنسية في الوقت ذاته"انها لن تقبل بعد اليوم مساومة او تراجعا وان الجزائر قد اصبحت منذ الآن والى البد مقاطعة فرنسية "
ووصلت التعزيزات العسكرية بسرعة الى مدينة الجزائر وارتفعت القوة الفعلية التي اصبحت تحت تصرف الماريشال فالي الى30الف مقاتل ووضع فالي خطة جديدة للهجوم تختلف عن مخططات القادة السابقين الذين كانوا ينفذون عملياتهم بهجمات مباغتة تتبعها عمليات انسحاب مباغتة وكانت خطة فالي تتلخص فيما يلي : 1 الاستيلاء على المراكز التي اقامها عبد القادر وتخريبها بما في ذلك مخازن اسلحته ومستودعات تموينه. 2مهاجمة وتدمير قواته النظامية التي تعتبر العمود الفقري لجهاز الحرب الجزائري 3 الاحتلال الدائم للمقاطعات الآهلة بالقبائل العربية الكبرى حتى تقنعها بقدرة فرنسا على حمايتها والدفاع عنها و بالتالي تدمير سلطة الامير عبد القادر والقضاء على نفوذه وفي الوقت ذاته حاولت الادارة الفرنسية استثارة القبائل العربية ضد الامير عبد القادر غير ان هؤلاء اجابوا على لسان شيوخهم برسالة واحدة اكدت رفضهم لاقتراحات النصارى والتزامهم بدعم الامير عبد القادر حامل راية الجهاد في سبيل لله . استمرار الصراع بين الامير عبد القادر والفرنسيين1840 توالت الهجمات والضربات على الفرنسيين في مختلف الجهات وكان الامير في مركز قوي في البداية بينما انهارت قوات الغزاة وتسبب ذلك في اثارة ضجة كبيرة في فرنسا داخل البرلمان الذي دعي للانعقاد في شهر ماي عام1840 لمناقشة المشكلة فطالب البعض بالعودة الى سياسة الاحتلال المحدود وطالب البعض بالانسحاب نهائيا ولكن"تيير" رئيس الوزراء اعلن في المجلس تصميم الحكومة على الاحتفاظ بالجزائر وعزمها على استخدام جميع قواتها وتجنيدها للحرب ان اقتضت الضرورة وايده في هذه الفكرة وزير الحربية الماريشال "سولت" الذي طالب بالقيام بعمليات عسكرية وضربات هجومية رادعة عكس ما كان يقوم به الماريشل فالي . وقد تمكن بالفعل المريشال "سولت من تطبيق فكرته عندما اصبح رئيسا للوزراء في الحكومة الفرنسية يوم 30 ديسمبر1840 فاستصدر امرا من الملك بسحب فالي من الجزائر وتعيين الجنرال بيجو bugeaud في مكانه في شهر فيفري1841 وقد جاء بيجو الجزائر بقوات ضخمة تقارب 120 الف جندي ولديه الثقة وكل الصلاحيات والتاييد من حكومة بلاده بحرية العمل والتصرف وجاء معه الى الجزائر ابنا الملك تصميما على التوسع الى ابعد مدى . والمعروف ان بيجو كان قبل مجيئه الى الجزائر يعارض فكرة سياسة التوسع في الجزائر ومن اقواله" ان الجزائر قد تكون مقبرة ملكية جويلية الفرنسية كما كانت اسبانيا مقبرة امبراطورية نابليون" ولكن في هذه المرة تراجع عن فكرته واقواله واصبح متحمسا كثر من اي وقت مضى لتطبيق سياسة الاحتلال الكامل ومن اشد انصارها في مجلس النواب الفرنسي ولذلك اختاره رئيس الوزراء سولت حاكما عاما على الجزائر فرسم خطة خاصة للتغلب على الامير تقضي بان يتجنب مواجهته في حرب نظامية وان يقوم فقط بالهجومات الخفيفة السريعة على القبائل الموالية له لحرمانها من اغنامها ومواشيها التي هي مصدر غناها وثروتها في نفس الوقت لارتباط معيشتها بها ثم يسد الحدود المغربية في وجهها حتى لا تجد الفرصة للجوء الى مراكش وحتى لا تتسرب اليها الامدادات والمساعدات من المغرب الاقصى كذلك وخاصة الاسلحة وبينما هذه العمليات تجري على اشدها قام بيجو كذلك بتخصيص قوات اخرى لشن حرب ابادة على المناطق التي تخضع لسلطة الامير وابتدأ بالهجوم عل تاقدمت (جنوب تيارت) عاصمة الامير الجديدة ثم احتل مدينة معسكر في ماي1841 بعد ان هجرها الامير ثم احتل بيجو مدينة سعيدة . اما في اقليم الجزائر (دار السلطان سابقا التي تشمل مدينة الجزائر وضواحيها الواسعة) فقد استولى الفرنسيون على شرشال ومليانة ثم المدية( خارج اقليم الجزائر ) وفشلت قوات الامير في استعادة هذه المدن من القوات الفرنسية . وفي جانفي1842م استولى الفرنسيون على تلمسان وتمكنوا لاول مرة من ربط الاتصال البري بين الجزائر ووهران وارتكبوا فضائع ومجازر بشرية رهيبة وخربوا معظم القرى والمداشر وازاء تكاثر جيوش الاعداء انتقل الامير بقواته الى جبال الونشريس مواصلا منها هجماته وغاراته على مراكز الاعداء المحتلين واتخد عاصمة منتقلة سماها الزمالة .
|
|
| |
|
| |
|
| |
|
ا | |