أسباب معاهدة التافنة

 

 

المغرب

راية تحمل في مقدمة جيش الامير


 

 

رغم احتلال كلوزيل المؤقت لمدينة معسكر فإن عبد القادر قد استعاد سلطانه فقد كان في كل مكان مسيطرا على الميدان ، والقبائل العديدة التي أظهرت الميل إلى قبول الحكم الفرنسي عوقبت إما بجباية النقود و أما بحجز الماشية وبالإضافة إلى ذلك فإن كلوزيل قد نشد السلام    .

وقد أجاب الأمير عبد القادر على الاقتراح الخاص باعترافه بالسيادة الفرنسية بأنه يود أن يعرف بالضبط قبل الاعتراف بالسيادة مدى السلطة والمنطقة التي له أن يحكمها ،بالإضافة إلى ذلك مدى الالتزامات التي عليه أن يقوم بها . لقد وجهت الدعوة إلى ميلود عراش ليأتي إلى وهران للمفاوضة.  أما كلوزيل فقد كان في هذه الأثناء يستعد لإرسال حملة ضد تلمسان.

إن وجود الفرنسيين في الوسط قد شجع أنصارهم فمصطفى ابن إسماعيل قد وعد كلوزيل بتعاون عدد كبير من القبائل العربية إذا ما تقدم نحو تلمسان و أعلن بنوا انجاد  أنفسهم أصدقاء لكلوزيل وكانوا يتقدمون نحو المدينة في قوة ضخمة لكي يساعدوه ويساعدوا الكراغلة على الفرار من القلعة التي كان هؤلاء ما يزالون محاصرين فيها.

وحين سمع عبد القادر بهذا التجمع أسرع بمهاجمة الطرفين فقد فاجأ ابن إسماعيل والكراغلة في نفس اللحظة التي كانوا يقومون فيها بالخروج من المدينة فأعادهم حيث كانوا .ثم التفت إلى بني انجاد وهزمهم ولم يكد ينتهي من ذلك حتى ظهر كلوزيل وجيشه المكون من 8000جندي يتقدمون نحو المدينة فلم يبقى أمام عبد القادر سوى أن يكمل الجلاء عنها وهكذا انسحب مع كامل سكانها بدون إزعاج إلى مدينة وجدة على الحدود المغربية ودخل كلوزيل تلمسان في 13 من شهر جانفي 1836.وقد تقدم ابن إسماعيل والكراغلة متبوعين بجمع من اليهود البائسين لاستقبال الحاكم العام (كلوزيل ) ومجلس قيادته رافعين إليه أسمى آيات الولاء والاستسلام وداعين إياه بمنقذهم وولي أمرهم .أما هو فقد طلب منهم 100000فرنك كعربون على إخلاصهم .فحاول أولئك المنخدعون المندهشون أن يقنعوه بعدم قدرتهم على جمع ذلك المبلغ ولكن بدون جدوى لأن كلوزيل كان لا يرحم .وهكذا استخدم الضغط الامتناهي بدون شفقة فاستعمل التهديد والضرب بل حتى التعذيب وحصل أخيرا على المبلغ جزء منه نقدا والجزء الآخر من الماس و الجواهر .

وقد كانت معاملة الفرنسيين لمن بقي في المدينة فرصة كبيرة تخدم قضية الأمير عبد القادر كما لو كان قد حقق انتصارا وهذا ما جعله يتعجب قائلا "إذا كانت تلك هي معاملة الفرنسيين لأصدقائهم فماذا عسى أن يتوقع منهم أعداؤهم ".

وشاع خارج المدينة وذاع أن يهوديا قد ترأس محكمة حاكمت وعاقبت الكراغلة فكان العرب ساخطين من جراء ذلك أن هذا الاحتقار للمسلمين لم يسمع به أبدا من قبل وكان من نتيجته أن فتح بنوا انجاد اتصالات مع عبد القادر كما أرسل إليه الكراغلة سريا انهم لا ينتظرن إلا رحيل الفرنسيين لتسليم القلعة إليه .

ولكن نية كلوزيل كانت احتلال المدينة لأنه كان شغوفا إلى إنشاء اتصال مباشر بين تلمسان وبين الساحل . وكان فم نهر التافنة اقرب نقطة صالحة لهذا الغرض ولكن المسافة الواقعة في الوسط كانت جبلية وقرر أن يحقق هدفه في 23 جانفي غير انه حالا وجد نفسه وجها لوجه مع الأمير عبد القادر بجيشه كاملا .

دامت المعركة بينهما عشرة أيام متتالية كان العرب الذين كانوا يتحرقون للثار من هزيمتهم السابقة متماسكين في ثبات وإصرار بالإضافة إلى أن عبد القادر لم يحاول أن يدخل في معركة مواجهة بل كان يستولي على الهضاب والصخور والأنهار و يدافع عنها طبقا لحاجات الساعة وقد كانت الشجاعة والانضباط الفرنسي في غير محلهما ضد أسلوب عبد القادر بالإضافة إلى عدم معرفتهم للبلاد فكانت النتيجة أن انهزم كلوزيل وتقهقر إلى تلمسان مخلفا ورائه خسائر هائلة . وبعد أن ترك حامية في القلعة تحت قيادة الضابط كافينياك رجع هو وجيشه إلى وهران بينما كان الأمير يطارده إلى أبوابها وعند عودته إلى  مدينة الجزائر عزى كلوزيل على كل حملاته الفاشلة بإصدار بيان أعلن فيه أن الحرب ستنتهي ومما جاء في البيان "عبد القادر قد ضرب ضربات قاضية وانه دحر وانه فر إلى الصحراء حيث يخفي خيانته وتمرده "

وفي أبريل سافر الماريشال كلوزيل إلى فرنسا تاركا وراءه تعليمات إلى الجنرال دارلانج في وهران بإقامة معسكر حصين على التافنة استعدادا لفتح خط الاتصال مع تلمسان من هناك .

وخلال هذه الأثناء تسرب الجنرال بريغو إلى القبائل النازلة في واد الشلف ورغم العقوبات التي نزلت اثر  ترددها في طاعة الأمير فأهلها لم يدفعوا الضرائب دون معاندة وشكوى متكررة، ولم يساهموا بفرقة فرسانهم في جيش الأمير عبد القادر إلا بعد احتجاج و نفور وهاهم الآن قد دخلوا من جديد في حلف مع الفرنسيين بدعوى تعرضهم لضغط كبير .

كان عبد القادر مشغولا كثيرا في الوقت الحاضر بحصار تلمسان وبإجراءات دارلانج على التافنة  وليس في وسعه الآن أن يوقف جولة بريغو العسكرية ولكن العرب الذين نكثوا العهد ورحبوا بالجنرال الفرنسي سرعان ما أحسوا بوقع غضب الأمير من موقفهم ولم يكد الفرنسيون ينسحبون حتى نزل عبد القادر عليهم كالصاعقة ففرض الضرائب الثقيلة على ثمانية عشر قبيلة منهم وسيقت مواشيهم وقد أخذت قبيلة البرجية كمثال مريع فهلك منها عدد كبير وشرد الباقي ليجد المأوى حيث يستطيع.

وصل دارلانج بصعوبة كبيرة إلى التافنة في 16 أفريل مع 3000من المشاة وثماني قطع من المدفعية وبعد أن اكمل إقامة المعسكر الحصين على ضفة النهر تقدم في 21من الشهر لفتح الطريق إلى تلمسان تنفيذا للتعليمات .ولكن الأمير عبد القادر الذي كان هو الآخر في مركز رئيسي بندرومة التي تسيطر أيضا على الطريق من التافنة إلى تلمسان ثم إلى وهران كان قادرا على أن يراقب تحركات العدو أينما اتجه وسرعان ما نزل للمجابهة فأحاط رجاله العرب والقبائل بالفرنسيين واضطروهم إلى أن يعودوا القهقرى .

إن عبد القادر مدين في هذا النجاح إلى جهوده التي لا تعرف الكلل والى تأثير قيادته الحكيمة فطالما استطاع أن يبقي المعسكرات الفرنسية في حالة عزلة عن بعضها كان الموقف في يده غير انه ليحقق خطة هامة كهذه كان عليه أن يحافظ على البلاد في حالة يقظة دائمة ولتحقيق هذا الغرض كان خلال الأسابيع الماضية يتنقل في جبال القبائل الممتدة حول التافنة وهناك قضى أياما شاقة وليلي مضنية ،داعيا،واعظا ،خطيبا ،إن بيانه الساحر قد هز حماس أولئك الجبليين القساة صعاب المراس إلى ذروة الجنون . لذلك وحين آن الأوان وقادهم الأمير شخصيا دفعة واحدة ضد الخصم اندفعوا إلى الكفاح أشبه ما يكونون بالحيوانات المفترسة لا الآدميين فكانوا ينصبون في الحال انصبابا ويحيطون بالمشاة الفرنسيين ويندمجون معهم في صراع فردي ثم يمرقون في صفوفهم و يتهاطلون على أفواه المدافع .أما الحكومة الفرنسية فقد استمرت في إرسال الإمدادات بعد أن أصبحت متوترة من هذه المقاومة الطويلة غير المتوقعة ففي 6جوان 1836 نزل الجنرال بوجو عند مصب نهر التافنة مع ثلاث فرق جديدة وفي الحال شرع الفرنسيون في تجديد محاولتهم لفتح طريق إلى تلمسلن بالقوة و أخيرا نجحوا في هدفهم فقد حارب الأمير عبد القادر معركة طويلة يائسة ضد القوات المغيرة على ضفاف الزقاق ولكنه في هذه المرة عانى هزيمة كاملة .

وقد كان لهذه الهزيمة عواقبها العادية على القبائل فكثير من كتائب الفرسان انصرفت عائدة إلى منازلها. إن التخلي المفاجئ الذي تعرض له أحيانا عبد القادر بعد الهزيمة كان يمكن أن ينهك طاقات إرادة ضعيفة ويشل عزيمة اقل من عزيمته صلابة ولكن هذه الحساسيات لم تعد تؤثر فيه منذ وقت طويل فهو يعلم انه متى ابتسم الحظ يستطيع بتلويحة واحدة من سيفه أن يعيد المترددين والثائرين عنه راكعين أمام قدميه.

ولكنه حين اخبر أن المدعو إبراهيم قد اختار هذه الساعة الحرجة ليعلن ثورة ضده، بل ليدعي لقب السلطان فانه جرد سيفه من غمده وعلقه في سرجه واقسم أن لا يغمده وان لا ينزل عن فرسه حتى يقطع رأس ذلك الخائن أسرع بمفرده تقريبا إلى قبيلة بني عامر حيث كان يعلم أن الخائن بينهم وطلب تسليمه في الحال وبعد أن أفاقت هذه القبيلة من دهشتها وتأثرها من هذا القرار الصارم سلمت الثائر سيدي إبراهيم إلى عبد القادر خائفة أن يؤدي الرفض إلى الاتهام بالتآمر معه وفي الحال قطع رأس الجاني .وبنشاط عبد القادر الذي لا يعرف الكلل في جميع الجهات وبيقظته الدائمة لتنفيذ نظام حصاره ضيق مرة أخرى الخناق الشديد على الفرنسيين فقد كانوا أقاموا مركزا في المناطق الداخلية ولكنهم لم يكونوا قادرين لا على الوصول إليها ولا على الاتصال معها وكانت رسائلهم تحجز وتقطع رؤوس حامليها بدون تمييز وليس هناك قبائل صديقة جاءت لهم بالمؤونة .وسواء كان الفرنسيون في وهران أو التافنة فانهم كانوا لا يستطيعون الحراك الا في فرق كبيرة وفي هذه الحالة كانوا يحتاجون الى تموين ضخم وحيوانات تحمل الأثقال ووسائل النقل وكان أهل الدوائر والزمالة طلبا للأمان تحت حصون وهران يعيشون على مؤونة مقترة يتصدق بها عليهم حاموهم من حين لآخر أما في تلمسان فإن كافينياك كان يشتري القطط لمائدته بمبلغ 40 فرنكا للقط الواحد .

         وفي شهر نوفمبر 1836 شرع كلوزيل الذي كان قد عاد إلى مباشرة عمله في حصار قسنطينة التي كانت معقل احمد باي آخر ممثل للسلطة التركية في الجزائر وقد امتنع عبد القادر من اتخاذ أي إجراء قد يفسد التطور الكامل في تلك الخطة ومنى نفسه بأنه سيكون المستفيد في النهاية سواء نجح الفرنسيون في خطتهم أم فشلوا ذلك انه شعر انه إذا انهزم احمد باي فإنه سيتخلص من منافس خطير دون ثمن أو تعب من جابه وان القبائل العربية في إقليم قسنطينة ستكون حينئذ حرة في الدخول تحت لوائه فإذا كان احمد باي هو المنتصر فإن الفرنسيين قد يغادرون الجزائر بالمرة بعد أن أنهكتهم بصعوبتها وفي هذه الحالة شعر عبد القادر أن صراعا محققا وطويل المدى سينشب بينه وبين احمد باي على السيادة ولكن حين فشلت حملة كلوزيل على قسنطينة شعر عبد القادر أن ساعته قد حانت فمن مقر قيادته في المدية اصدر أوامره بهجوم كامل ضد كل المراكز الفرنسية بين الأطلس والساحل أما في إقليم وهران فلم يبقى للفرنسيين ما يستحق وهكذا كان سهل متيجة تحت رحمته و نزل الآلاف من العرب و القبائل مؤيدة بأهالي التيطرى كالسيل من الجبال محطمة و مشعلة النار في المؤسسات الاستعمارية الفرنسية آسرة المستوطنين الفرنسيين و حاملة الرعب و الفزع إلى مدينة الجزائر نفسها . إن الحالة التي أصبحت عليها الآن الحامية الفرنسية كانت تثير الشفقة فكل مهارة إدارة الميرة كانت تتمثل في اتقاء رعب المجاعة الذي كان يخيم في كل لحظة ومن حسن حظ الفرنسيين انهم تخلصوا من حالاتهم المؤلمة بالمضارب اليهودي العبقري.إن اليهودي دوران عميل الأمير عبد القادر الذي كان ذا مهارة ونفوذ كبيرين في مدينة الجزائر طالما متع خياله بالحصاد الهائل الذي يمكن أن يجنيه لو اعترف به المتصرف الوحيد في المضاربات التجارية بين الطرفين المتنازعين ولهذا كان منذ شهور يحاول أن يقنع الأمير عبد القادر بان الفوائد التي سيحصل عليها من إطعام الفرنسيين ستفوق كثيرا حتى من الوجهة العسكرية قيمة أي نصر يمكن أن يحققه عن طريق تجويعهم .وبعد أن رخص له الأمير بمساومة الفرنسيين والحصول منهم على اكبر ربح توجه دوران بسرعة إلى وهران وفتح المفاوضات مع الجنرال بروسار الذي كان حينئذ على قيادة الحامية .

وقد قال له دوران " إن الفرنسيين في حاجة القمح واللحم والأمير من جهته في حاجة إلى الحديد والرصاص والكبريت فليبتع كل طرف ما يحتاجه من الطرف الآخر وسيكون الجميع راضين ويجب أن لا يخشى أبدا بان هذا الإجراء سيكون على حسابك ولصالح الأمير فهو لن يظهر أبدا في القضية فإنني أنا الذي سأبيعكم القمح واللحم وانتم ستبيعونني أنا الحديد والكبريت ولن يعرف الأمير سوى عن طريق غير مباشر بان المواد الأولى لكم والمواد الأخيرة  له. بل أن الأمير مستعد للسماح لكم باستئناف تموين تلمسان ولكن مادام هذا الامتياز بدون شك سيغضب ويثير سخط العرب الذين يحقدون على الوجود الفرنسي في تلك المدينة فان الأمير لن يأخذ على عاتقه سوى كراهية ومسؤولية الترخيص به .على شرط أن يطلق الفرنسيون سراح جميع الأسرى الذين سجنوهم اثر معركة الزقاق وان يعيدوهم إليه ".

وفي الحال قبل بروسار هذا الاقتراح ومرة أخرى تمتع الفرنسيون بحياة رغدة طويلة لم يعتادوها أما الأمير فقد حصل بدوره من أعدائه الذين اضطروا لوضع رداء الصداقة على مواد الحرب التي ستستعمل منذئذ ضدهم .

والواقع أن هذا التعاقد الغريب ( لان الظروف قد برهنت على ذلك ) لم يعط عبد القادر الوسائل التي تزيد من قوته الاعتدائية فقط ولكن في نفس الوقت قد رفع من سمعته أيضا ، فهو الآن يستطيع أن يجيب بكل اعتزاز أولئك المغيرين المتعصبين الذين يأخذون هزائمه وشكاوي عائلات بأسرها تطالب باستمرار بأبنائها المفقودين الذين يعذبون في سجون الكفار ،بأن الأسرى الذين أخذتهم أيدي المنتصر قد أعيدوا إلى منازلهم وهم قادرون مرة أخرى على الأخذ بنصيبهم في الجهاد .

هذه هي الحالة العامة عندما وصل الجنرال بوجو إلى وهران قادما من فرنسا بتعليمات محددة إما أن يعقد الصلح مع عبد القادر أو أن ينتصر عليه .

ولما كان أولا راغبا في الوصول إلى المفاوضات معه فانه أرسل إليه الاقتراحات الآتية كأساس للتفاهم :

1_ الاعتراف بالسادة الفرنسية .

 2_ تحديد منطقة نفوذه بنهر الشلف.

 3_دفع الجزية لفرنسا.

 4_تسليم الرهائن كعربون وتنفيذ أي معاهدة مستقبلة يمكن الاتفاق عليها

وقد رد الأمير بواسطة عميله دوران بأنه مادام لم يواجه أبدا أي هزيمة نهائية ومادام قد عوض نفسه عن كل النكبات التي حلت به مؤقتا فانه لا يستطيع بحال من الأحوال بوضع أدنى من الوضع الذي اعترفت له به معاهدة ديميشال .وأضاف بان العرب لا يمكن أن يقبلوا أو حتى أن يسمعوا بالعيش تحت سلطة المسيحيين حتى ولو كانت سلطة اسمية وانه إذا كانت فرنسا ساعية لوضع العربي تحتها بالقوة فمعنى ذلك أنها ستدخل حربا لا نهاية لها .وقال أيضا انه لم يدخل إقليم التيطري لخطة خاصة به ولكنه استدعي لذلك بطلب سكان ذلك الإقليم وانه لا شرفه ولا دينه يسمح له بالتخلي عن أولئك الذين وضعوا أنفسهم تحت حمايته. أضاف بان من رأيه انه ليس من مصلحة فرنسا أن تحاول مد سلطانها على سكان معارضين تماما لها .

ولكن مصلحتها هي أن تحصر نفسها بدلا من ذلك في المشاريع التجارية في المدن الساحلية غيران الأمير اعترف بواسطة صوت عميله بأنه يرضى للفرنسيين باحتلال متيجة أو سهول مدينة الجزائر باستثناء البليدة التي يتضح من وضعها أنها تنتمي إلى الجبال واعترف أيضا انه لا يمانع في أن يسلم إليهم كل المنطقة القريبة من وهران الواقعة في بريدية والمقطع و أعلن انه مستعد بالإضافة إلى ذلك أن يتخلى عن احتكار التجارة الذي اعترف له به ديميشال وان يسمح بحرية كاملة في التجارة وان يضمن الأمن وان يعوض الخسائر إذا وقعت لكل الفرنسيين الذين اختاروا أن يستوطنوا المناطق الداخلية و أخيرا وعد بأنه لن يسلم أي ميناء معترف له به إلى دولة أجنبية .

ومهما بدت هذه اللهجة حادة وإملائية في عين الجنرال بوجو فانه فضل أن يتابع مهما كانت الظروف طريق التنازل على طريق أي مقاومة قد تؤدي إلى استئناف النزاع وقد أنذرته حكومته بكل وضوح ضد منح الأمير أي توسع إقليمي جديد بينما أصر عبد القادر على عدم التخلي عن أي جزء كان عندئذ تحت يديه،وهكذا رضخ بوجو وعرض على الأمير على مسئوليته الخاصة إقليم التيطري شريطة أن يقبل بالتبعية لفرنسا.

وقد صيغ الإنذار التالي مع شروط تلك التنازلات الهامة أرسل كل ذلك إلى الأمير ، إن الحدود المعينة التي حضر فيها الممثل العسكري للحكومة الفرنسية رجاله في الجزائر تعتبر في حد ذاتها شهادة مجد على الجرأة الناجحة للقائد الكبير (عبد القادر) الذي افشل لحد الآن كل الحملات الفرنسية الموجهة ضده واحبط جميع خططهم في الاحتلال .

وفيما يلي شروط بوجو :

1_ يعترف الأمير بسيادة فرنسا.

2_تحتفظ فرنسا في إقليم وهران بحزام يمتد من 10 إلى 12 فرسخا مبتدئا من ريو سلادو ومنتهيا عند نهر الشلف.أما في إقليم الجزائر فإنها تحتفظ بمدينة الجزائر وكل الإقليم الذي يحمل ذلك الاسم وتترك فرنسا للأمير إقليم التيطري وإقليم وهران باستثناء الحزام المذكور.

3_يدفع الأمير جزية سنوية في شكل قمح وماشية .

4_حرية التجارة حرية كاملة .

5_كل المقتضيات التي حصل عليها الفرنسيون أو قد يحصلون عليها في البلاد ستكون مضمونة لهم .

وقد وصل هذا الإنذار إلى الأمير عبد القادر في المدية حيث كان قد فتح المفاوضات مع الجنرال مامريمون الحاكم العام الجديد للجزائر يحدوه أمل واثق في نتيجة مرضية لقد وجد نفسه الآن يفاوض اثنين كلاهما يريد أن يتعامل معه بشروط في صالحه وتتماشى مع توقعاته حقا أن حماسهما في التعامل معه قد اصبح نوعا من التنافس بينهما.

إن بوجو قد طلب من حكومته معروفا خاصا وهو أن تسمح له وحده فقط بمجد التعامل مع الأمير لذلك فانه حين علم أن دامريمون قد دخل في علاقات دبلوماسية مع الأمير العربي ثارت غيرته ، وقد اتهم دامريمون الذي كان أعلى منه مقاما بالقيام بالتدخل غير المرخص به وغير المرغوب فيه في أمور معقدة يتوقف عليه هو وحده إيجاد حل لها وتلا ذلك مراسلات تبادل فيها الطرفان الفرنسيان الاتهامات .ثم أحيلت إلى وزارة الحرب   التي قررت أن تترك الحرية الكاملة لبوجو في التعامل مع الأمير عبد القادر دون تدخل أو إشراف.

وبمجرد أن سمع الأمير عبد القادر بهذا القرار رجع إلى إقليم وهران وفي 12ماي أرسل الاقتراحات الآتية ردا على إنذار بوجو :

 1_يعترف الأمير بسلطة فرنسا.

 2_كل المسلمين القاطنين خارج المدن هم تحت سلطته الشرعية .

 3_تنحصر منطقة الفرنسيين في غرب وهران في البلاد الواقعة بين بريدية والبحر وتمتد إلى المقطع و إما في منطقة الجزائر فان الفرنسيين سيحصلون على البلاد الواقعة بين مدينة الجزائر ووادي بني عزة.

4_يمنح الأمير خلال هذه السنة فقط 20000مكيالا من القمح و 20000مكيالا من الشعير و 3000راس من الماشية.

 5_ من حق الأمير أن يشتري من فرنسا البارود والكبريت والسلاح.

 6_إن الكراغلة الذين يفضلون البقاء في تلمسان سيحتفظون بأملاكهم وسيكونون تحت سلطتنا وعليهم أن يمتثلوا لقوانين بلادنا .

 7_   كل من يهرب من المنطقة الفرنسية أو من منطقة الأمير يعاد مبادلة بطلب من الطرف المعني.

 8_تتخلى فرنسا للأمير عن راشقون ،تلمسان وقلعتها وعن المدافع ومدافع الهاون التي احتوت عليها القلعة قديما ويلتزم الأمير بنقل أمتعة الحامية الفرنسية من تلمسان إلى وهران.

 9_التجارة ستكون حرة بين الفرنسيين والعرب.

 10_يلتزم العرب باحترام الفرنسيين بينهم ،كما يلتزم الفرنسيون باحترام العرب بينهم .

 11_المزارع والممتلكات التي يمكن أن يكون الفرنسيون قد امتلكوها في متيجة ستكون مضمونة لهم وستكون لهم كامل الحرية في التمتع بها.

 ونلاحظ انه في الشروط السابقة لم يشر عبد القادر إلى التنازل عن إقليمي التيطري و وهران فقد كان ينظر إلى القضية على أنها أمر مفروغ منه حيث انه لم يكن للفرنسيين في الإقليم الأول أي ظل من السلطة ،أما بالنسبة للإقليم الأخير (وهران) فهم يعبرونه فقط كالطيور المسافرة مرفرفة من مدينة إلى أخرى .ولكن مادام عازما على تدعيم قوته وعلى تقوية خطوط مواصلاته فانه أصر على جلاء الفرنسيين عن مدينة تلمسان وعلى تخليهم عن ميناء راشقون.

بل إن عبد القادر ذهب إلى ما هو ابعد من ذلك فلما كان يشعر بتفوقه ويرى المضايق التي اصبح الفرنسيون منحصرين فيها ،لم يتردد في أن يطلب أن يكون كل مسلم مقيم في منطقة فرنسية يجب أن يكون تحت سلطته الشرعية هو فقط .وهو في هذا الطلب كان يسعى أن يطبق مبدأ كان في نظره أولى من كل اعتبارات دنيوية لأنه مبدأ قائم على ماهية القرآن الأساسية وهو انه لا يجوز لأي مسلم مهما كانت الظروف إذا أمكن أن يعترف عن طواعية أو يستسلم إلى حكم مسيحي .

إن عبد القادر قد وصل ذروة المجد في مهمته خلال هذه الفترة        


 

 

 

صورة لأحدى معارك الأمير

 

خريطة لدولة الأمير

كور من مدفعية الأمير