مبايعة الجيل الجديد

 

 

 

نص كلمة رئيس الجمهورية بمناسبة إحياء ذكرى مبايعة الأمير عبد القادر

ألقى السيد عبد العزيز بوتفليقة، رئيس الجمهورية، كلمة بمناسبة إحياء الذكرى 167 لمبايعة الأمير عبد القادر  هذا نصها :

"بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على اشرف المرسلين وعلى أله و صحبه إلى يوم الدين..

السلام عليك أيها الأمير و رحمة الله و بركاته..

لقد جئناك فى الموعد وفى المكان وفى البقعة المباركة بالذات التى تمت فيها مبايعتك فى 27 من نوفمبر 1832.. جئناك بمثل ذلك الحماس الصادق الجياش الذى كانت تطفح به قلوب أولائك الجزائريين والجزائريات الذين وضعوا ثقتهم و آمالهم فى إمام الجهاد والمجاهدين و شيخ زمانه فى علوم الدين والدنيا عبد القادر بن محي الدين بن مصطفى المختار الحسنى فبايعوه بالأمارة ليقود جهادهم ضد العدو و الغازي  ومسيرتهم المظفرة نحو الغد الأفضل.

و كيف لا يغمرني الفخر و الاعتزاز وأنا أقف وقفتي هذه بهذا المكان وأمام هذه الشجرة المباركة الثابتة فى عهدنا هذا الذى استعاد فيه بلد الأمير عبد القادر كامل سيادته وحريته وكرامته بفضل وفاء الأجيال المتعاقبة المتواصلة فى تمسكها بالعهد المقدس الذى قطعه شعب برمته على نفسه وأودع مضمونه فى أعماق ذاكرته الجماعية متواصيا جيلا بعد جيل بالوفاء له والالتزام به ليتوارثه أبناؤه البررة أبا عن جد.

وكيف لا آلبى و أنا مدعو إلى حضرة القائد الهمام الذى كان نبراس الأجيال المتوالية وسيبقى الى أن يرث الله الارض ومن عليها. و كيف لا ألبى الدعوة الى حضرة من علمنا الرفض رفض الضيم والجور من علمنا رفع ثوبنا عن كل لوم من علمنا الذود عن الدين بذلك النضال المستميت من علمنا ركوب كل هول من أجل المكارم والثبات عليها من علمنا كيف نجعل الغدر منا محالا وكيف ترقى بنا المكارم وتتنوع فينا الخصال من علمنا كيف نكون نحن الرجال رجالا للرجال.. "سلوا تخبركم عنا فرنسا و يصدق إن حكت منها المقال"

كيف لا أتيى الى هذه الحضرة وأقف وقفة من سبقنا من الأجداد وقفة تجلة و إكبار و خشوع وأبايع رمز الأنفة و الإباء رمز المجد و الشموخ وأبايع هنا كل عظيم حبلت به الجزائر لنجدتها وتحريرها و إعلاء شأنها أبايع السيد المهاب الذى يبقى أبد الدهر مهابا وان رحل إلى جوار ربه منذ عقود عديدة مضت وأسكنه فسيح جنانه.. فيا لها من وقفة لم تبق من حزن فى قلب مضنى ولا كدا لذى ضجر

أيتها السيدات.. أيها السادة..

إن أول ما يترتب علينا فى مثل هذه المناسبة الطيبة من واجبات هو أن نشكر الله سبحانه وتعالى على ما أنعم علينا به من استعادة الاستقلال وسيادة كاملة على أرضنا محققا لنا بذلك الغاية التي كرس عبد القادر جهاده فى سبيلها بعد أن غرس فى قلوب أبناء وطنه الغيرة عليها يتوارثونها أبا عن جد ويحمل شعلتها عبر السنين أبطال وبطلات من أمثال لالة فاطمة انسومر والشيخ الحداد والمقرانى والشيخ بوعمامة والشيخ بوزيان والامير خالد وميصالى الحاج وغيرهم الى رعيل أول نوفمبر المجيد.

و من أخلص مظاهر شكرنا لله، أيها الاخوة و الأخوات، أن نلتئم فى مثل هذا الحفل المهيب ونجددها مبايعة صادقة صريحة لروح قائدنا الذى لم يطلب الإمارة بل فرضت عليه فرضا من أجل تثبيت هويتنا وتنظيم مواجهة الاجتياح العدواني الكاسح للبلاد المبيد للعباد وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره. فقبلها مكرها وحمل أمانتها محتسبا لخالقه ناكرا للذات متفانيا مخلصا وراح منذ ذلك الحين يستميت فى الذود عن حق شعبه فى الحياة الحرة الكريمة. وراح يواصل الجهاد بالسيف وبلسان الرشاد والسداد وبالعمل الدؤوب والمثابرة و الإصرار رغم شح الوسائل وتفوق العدو عدة وعددا وخذلان المناصر وفقدان المعين وتقاعس ملوك المسلمين وأمرائهم عن معونته ونصرته حتى باللسان.. إنه جاهد وصمد فى وجه الغزاة الدخلاء والخونة المارقين و القعدة من ضعفاء النفوس وهو الرجل الذى قال عن نفسه "إنني لم أصنع الأحداث بل هي صنعتني".

لو كنت محمدا بن عبد الله عليه صلوات الله ورضوانه إلى يوم الدين لقيل فيك "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا" صدق الله العظيم (سورة الفتح رقم 18).

و لكن ما دمت منا والينا و إذ كنت أحسننا وأفضلنا فرحم الله أولائك الذين بايعوك تحت هذه الشجرة على سنة أجدادنا الذين اقتادوا بالأسلاف الأوائل فى مبايعتهم رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم يوم بيعة الرضوان. فما أحوجنا الى صدق المبايعة التى خص بها أجدادنا الامير ثم انصرفوا إلى ساحة الوغى يخوضون المعركة تلو الأخرى فى خضم رهج السنابك وطعن القنا وخفق البنود ورعد المدافع وقصف البارود لا تثنيهم لا مخاطر و لا صعاب ولا تغريهم محاسن عيش ولا يقرأون للموت حسابا فكانوا قدوة حسنة لمن خلفهم من أبناء وأحفاد تسلموا منهم مشعل الجهاد فرفعوه عاليا وصانوا الأمانة من خلال معارك متواصلة على مدار القرن والنصف حتى أفضت إلى طرد العدو و إزالة دنسه عن أرضهم . وكان سر نصرهم المبين وحدة الصف ورباط الدين الواحد والانتماء المشترك الى الوطن والقيم الفاضلة وصدق العزائم وبقيت هذه أعمالهم وأخلاقهم إلى أن أعادوا للجزائر حريتها وللشعب عزته وكرامته ومكانته المرموقة بين الشعوب و الأمم. و كأن الله أبى الا أن يمحو عار الخامس من يوليو 1830 المتمثل فى الاجتياح الجائر الظالم للجزائر بنصر مبين باهر صريح تم فى نفس اليوم ونفس الشهر من سنة 1962.

أيتها السيدات.. أيها السادة..

تمر شعوب العالم الحية الواعية فى مسيرتها التاريخية بمحطات فتتوقف عندها للتأمل فى حصيلة أعمالها السالفة لمراجعة مضامينها على ضوء الأسباب والأجواء الخاصة التى ساهمت فى أخذ كل قرار و إرساء كل اختيار فتكون مناسبة طيبة لمراجعة الذات وتغيير ما بالنفس والرجوع عن غواية أهوائها وتقييم أعمالها وذلك قصد مواصلة الطريق على أسس مجددة سليمة نحو غايات بينة الملامح مثمرة النتائج محمودة العواقب فتعبئ لها الوسائل الكافية المناسبة وتشحذ لكسب رهانها الهمم المخلصة الوفية. إن المبايعة التى نحيى اليوم ذكراها المائة والسابعة والستين لتعد بحق من تلك المحطات المصيرية فى تاريخ الجزائر المجيد وخصال شعبها الأصيل الأبي. إذ أقدم الجزائريون والجزائريات على تلك المبايعة دخلوا عهدا جديدا عهدا متساوقا مع قيمهم السمحاء و تقاليدهم الخيرة عهدا يتميز بالغيرة على سلامة تراب الوطن واستقلاله والتطلع الى التطور السريع المبنى على العلوم وضروب الفنيات الحديثة عهدا يفسح المجال أمام المساهمة الكاملة الفعالة للمواطنين فى اختيار قادتهم وأخذ القرار عند البت فى قضاياهم المصيرية. إنه ليس من باب الصدفة بعد بدء الغزو وتواصله وأن سقطت العاصمة واستسلم النظام العثماني القائم للعدو وأخذت جيوش هذا الأخير تكتسح مختلف المناطق تسفك الدماء تفتك وتهتك الأعراض والممتلكات أن تتجه الأنظار الى الشيخ محي الدين وابنه عبد القادر لتولى زمام الأمور وإدارتها على الأسس التى يرتضيها الجميع.

أما الشيخ محي الدين فقد رفض تولى السلطة لثقل مسؤولياتها وكبر سنه ولم يتولها ابنه غير مخير إلا لخطورة الوضع وجسامة المشاريع الإصلاحية التى تقتضيها فى جميع المجالات أية محاولة جادة لمواجهتها و إيجاد حلول لها.

إن حضورنا فى الموعد والمكان قد تكون له اكثر من دلالة فنحن جئنا نجدد العهد و نستقى من معين الجهاد أزكى ما فيه من معاني حب الوطن المقرون بعبادة الله . هنيئا لمن قاسموك على مر الأجيال جهادك بجهادهم وكان سخاؤهم كبيرا وهم يجودون فى سبيل الوطن بالنفس والنفيس والدماء الزكية الطاهرة.. هنيئا لمن ولو بالأسوة الحسنة حاول أن يقتاد بك وبصحابك فى الرجولة والاستقامة والتعبير عن المواطنة حقوقا وواجبات.. هنيئا لمن سخروا أقلامهم وبيانهم وبلاغتهم فأضفوا المزيد من الأضواء على من خطوا بسيوفهم صفحات تاريخ البلاد المشرقة.. و لكن هنيئا كذلك لمن لم يتناسوا زعماءنا من شرق البلاد إلى غربها ومن شمالها الى جنوبها فأعطوا كل ذى حق حقه بنغمة القصيد ونظرة الشاعر ودقة المؤرخ وبأمانة الشاهد النزيه لكل رجل قام هنا أو هناك على مر الزمان مع زرافة من الأحرار ليقولوا رفضهم الذى لارجعة فيه للمحتل والمغتصب وكل من أراد أن يغير فينا ما هو منا بما هو ليس منا .

و لتكن صيحتي رنانة مسموعة اليوم عند المجتهدين من الطلبة وخاصة أولئك الذين تخصصوا فى علم التاريخ وهم لا يزالون يكدحون فى الجامعات.

فلتصل صرختي اليهم حتى يزيلوا كل ما كدسه الغزاة من غبار على تاريخنا وأمجادنا ورجالاتنا وماضينا المجيد. ولكم يعلم أهل الذكر قيمة ما تزرعه معرفة تاريخ البلاد من مفعول فى همم الرجال ونفوس الشباب الطامحين من غيرة للذود على حاضرهم وتصور مشرق بالأمل لمستقبلهم مفعم بثقتهم بالماضي الثقة التى ترسخ هويتهم وأصالتهم وتضرب فى الأعماق بإطناب جذورهم.

و كل من يساهم فى دراسة هذه الصفحة المشرقة من تاريخ الجزائر و إضفاء المزيد من الأضواء على من خطوا بسيوفهم ومهجهم وأقلامهم وعلمهم حروف بيانها من أمثال الأمير وخلفائه المتوزعين على مختلف مناطق البلاد.

أيتها السيدات.. أيها السادة..

إن سر صمود الدولة الجزائرية الحديثة التى وضع أسسها الامير لمواجهة الغزو الاستعماري العاتي طيلة المجابهة المسلحة التى دامت خمس عشرة سنة كاملة وبقاء مبادئها حية متقدة فى وجدان أبنائها عبر مختلف انتفاضاتهم المتواصلة الحلقات الى غاية اندلاع ثورة نوفمبر المظفرة يعود إلى مميزات المبادئ القائمة عليها هذه الدولة وطريقة توزيع السلطات ضمنها والشروط الواجب توفرها فى المسؤولين على المستوى المركزي والمستوى المحلى . ومن أهم مميزات هذه الدولة :

- طابعها الأخلاقي الذى تتميز به قوانينها ويتحلى به الرجال الساهرون على تطبيقها وفى مقدمتهم الامير وخلفاؤه الذين يتم اختيارهم اعتمادا على قدر الاحترام الشعبي الذى يتمتعون به وكفاءاتهم القتالية وعلمهم ونزاهتهم

- التوزيع المحكم للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية داخل هذه الدولة بما فيها الجيش وعلاقته الخاصة بالأمير الذى يرعاه بعنايته السامية ليكون الدرع الواقي للأمة

- التسامح الديني و تطبيق تعاليم الإسلام السمحاء على المواطنين و كذا ازاء أهل الذمة من يهود ونصارى وحتى الأسرى من أفراد الجيش الغازي فكان يرعاهم بعناية خاصة مطبقا لفائدتهم قبل زمانها حقوق الانسان التى شهدت له بالاستماتة من أجلها ملوك وامراء عهده فى حادثة المسيحيين المارونيين فى سورية الحبيبة.. و هو القائل فى هذا الموضوع بالذات "لو جاءني من سعى إلى طريق الحق لقدمته إليها يسرا لا بسيفي". و إن ترفع الأمير عن عرض الدنيا وطيبة أخلاقه و أعراضه عن الأغراض و تطبيقه مبدأ الشورى فى السراء والضراء جعل السلطة تقوم على أسس الاختيار الحر لا الضغوط والتجاوزات.

و من عظمة هذه الدولة الحديثة التى أنشأها الأمير أنها قامت على المبادئ التى بدأ ظهورها عبر القارة الأوروبية وهى المبنية على القوميات والحدود الفاصلة والرامية الى إقامة "الدولة الأمة" جامعا بين الأصالة و العصرنة.

هذا، وكان الامير فى سعيه من اجل تحقيق المشاريع الضخمة يعتمد على التعبئة الشعبية و تظافر الجهود المخلصة عملا بوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم الذى جعل من مجاهدة النفس والعمل الصالح الدؤوب الجهاد الأكبر الذى لا أمل فى تحقيق النصر فيه الا بوقوف أبناء الأمة الواحدة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. و إن لعلاقاته الخارجية وسمعته على الساحة الدولية إنجازات ومناقب يشهد له بها العدو قبل الصديق بما يثبت قابلية الدولة الحديثة هذه للبقاء لو لا الغلبة العسكرية التى كانت من نصيب الدولة الأقوى.

أيتها الأخوات.. أيها الإخوة..

كان تحرير الجزائر وبناء دولتها الحديثة صفحة من البطولات والتضحيات صور فيها شعبنا بروحه الأبية وبخاصة الشباب مثل الأمير عبد القادر ورفاقه ما يريد أن يعرف به ودون فيها إصراره على عدم التنازل عن أدنى ذرة من عزته وكرامته وحبر فيها دلائل و براهين أهليته لرفعة المكانة بين الأمم.

كان شباب الأمس يرمى بنفسه و نفيسه فى سبيل تحرير الوطن ناكرا ذاته فعلى شباب اليوم والغد أن يرمى فى سبيل بقاء الجزائر عزيزة كريمة بالتفاني و بالإبداع. عزة الجزائر و هيبتها فى عزة الجزائري بنفسه وشيمه لا بماله فى أخلاق الروح لا فى أخلاق البطن فى ترتيب أبناء الجزائر بحسب فضائلهم الإنسانية و الوطنية لا بحسب ثروتهم وعصبيتهم فى التعاون على النهوض بالمواطنة فى اعتبار الغنى ما يعمل بالمال لا ما يجمع من المال فى جعل أول الثروة العقل و الإرادة وما يصنع بهما لا الذهب والفضة وجمعهما فى استعادة قوة الرفض لما يجب أن يرفض وينبذ و إيجاد قوة التأييد لما يجب أن يوجد.

هذه هي، أيتها الأخوات أيها الإخوة، رسالة ذكرى المبايعة وعلينا أن نرتفع الى مستواها نقبل وننهض بهذه المسؤولية التى سبقنا إلى حملها أجيال وأجيال من قبلنا وننذر أنفسنا للقيام بها خير قيام ثم يأتي من بعدنا فيواصل على الدرب . وحسبنا أن يقال عنا حينئذ أننا أدينا الأمانة وخدمنا جزائرنا وأضفنا لبنة الى صرحها الركين.

إن الله تعالى عظم شأن المبايعة وحذر من نكثها بقوله خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما" صدق الله العظيم.

فالشعب الجزائري لما هب لاستئناف النضال فى أول نوفمبر 1954 بايع الله وشهداءه وأسلافه الميامين على مواصلة التضحية من أجل كسب التحدي الكبير الذى يجب على كل أبنائها أن يهبوا لمواجهته و يعبئوا كل طاقاتهم لتحقيقه بتحرير البلاد وبعث دولتنا الحديثة واسترجاع سيادتنا السليبة . من ثمة علينا أن نسير على هدى من سبقنا ونستكمل المشوار معتمدين على الكفاءة العالية و الأمانة التامة والولاء المطلق للشعب والأخذ بأسباب التقنيات المتقدمة والوسائط و الأساليب الحديثة فى مختلف مجالات التسيير والتخطيط والتقييم والمتابعة.

ذلكم هو ما عقدنا العزم على التعهد به برضى الشعب الجزائري ومعه فى المرحلة الجديدة التى دخلناها بعد 15 أفريل الفارط . انه بناء جزائر المستقبل والمجتمع الأفضل البناء الذى نأمل أن يكون له ثلاثون مليون من البناة والمدبرين المقتدرين المؤهلين إخلاصا و أمانة وكفاءة و تترسخ فيه المنهجية الوطنية القائمة على توظيف نشر الحق والعدل و الإخاء والمساواة اى كل شروط المواطنة الصالحة التى لا تستوفى الا بوجود الأسوة الحسنة وجوبا فى قيادة البلاد من قاعدتها الى قمتها و إلا تعذر تعميم العيش الكريم بين الجميع وبناء مجتمع الأمل والمحبة والخير.

قبل أن أودعك أيها الأمير أريد أن ألتمس منك عذرا ان كنا تطاولنا عليك أنا و رفاقي من ساروا الى رحمة الله فاجتهدنا اجتهادا مخلصا وأرجعنا رفاتك الى وطنك وأنت الصوفي صاحب المواقف الذى كان ربما يؤثر أن يبقى فى ملكوت معلمه وجاره ابن عربي سيما وأننا نحن هنا نعتقد أن الجزائر هي دمشق ودمشق هي الجزائر ولربما كنت هناك فى راحة أكثر مما لو كنت فى أحضان شعبك وذويك.

إن إخوانك فى الشام احتضنوك و بجلوك و كرموك و أنت الكريم و ما كانوا يفعلون ذلك حبا فيك فقط ولكن كانوا ينطلقون من انك من أبنائهم وأن شعب الجزائر شعبهم . كما كانوا آنذاك انهم لازالوا اليوم يفرحون لأفراحه ويترحون لأتراحه ويقاسمونه السراء والضراء . فأنعم به شعبا سوريا قوى الشكيمة فى الوطنية يعرف قيمة الرجال الذين تساموا بأرواحهم وارتقوا إلى مالا زلنا نتغنى به من مكارم الأخلاق على أبناء البشرية جمعاء .اننا قوم لانتنكر للجميل ونعتذر اليوم لمن اختطفناك منهم لا تحفظا ولا بوحي من نية دونية. لقد أتينا بك الى وطنك وطنك الأول برضاهم . أرجعناك الى ديارك حتى نقول لمن أبعدوك عن مسقط الرأس وبيتك من الشعر وبيتك من الشعر لمن قالوا بالأمس .. لقد عدنا إليك يا صلاح الدين بنفس النخوة والاعتزاز والقوة .. لقد عدنا بك يا عبد القادر والوطن العزيز يهتز خفاقا للحدث العظيم من الشام الى الجزائر. وسيعود بإذن الله صلاح الدين الى الجولان فيسترجع الجولان كل الجولان وجنوب لبنان كل جنوب لبنان ويعطى للفلسطينيين حقهم المشروع فى دولتهم المستقلة بعاصمتها القدس .

إنك اليوم يا عبد القادر كباقي الشهداء لا امتياز يحيط بك أو يفضلك عليهم الا ما تركته من حسن الذكر وما تركت من جميل الخصال وكريم الأعمال ومن تراث ثقافى تغبط عليه فى الجزائر وخارجها. هل جئنا اليوم لنتذكر فقط أو جئنا لنتأمل فيما صنعت أنت والصديقين والشهداء والذين توافدوا من بعدك فى كل شبر من الوطن لنتأمل فى المعنى العميق للرسالة التى أورثتموها للأجيال أو لا تسمحون أن أخبركم بأن الوطن كاد يضيع ولازال البغاة من أعدائه فى الداخل والخارج يريدونه فى مهب الرياح يهتكون الأعراض ولا يستحون يقتلون الأطفال ويتبجحون يفسدون فى الأرض فسادا يخربون بيوتهم بأيديهم ويدخلوا السرور والبهجة فى كل مشؤوم يتربص ببلادنا الشر ويبتغى لها الانهيار. ولكن ها هو الشعب قال قولته الفصل وقولة الشعب فصل وما هى بالهزل.انه شعب جنح الى السلم والسلام الى المصالحة والوئام .

وكما جئنا نعاهدك اليوم على أن نبقى على الدرب سائرين لقد عاهد شعبنا نفسه وربه أن يبقى هو أيضا على العهد يدفع أغلى ثمن من أجل السلام ووحدة الجزائر ترابا وشعبا والدفاع على النظام الجمهوري و الالتزام بهيبة الدولة واحترام صرامة القانون فى عدالته.

لقد تحرك قطار السلم بسرعة لا تكبحها بنات الدهر ونوائبه وما تبقى من جرائم الآثمين المارقين العابثين بمصالح الشعب والوطن. قد يسمعني شباب لا يفهم لهجتي ولا يفقه كلامي لاننى أستقي من وطنية تمخضت عن الاستعمار الاستيطاني والاحتلال وهو لا يعرف شيئا عن تلك العهود ينظر الى واقع الدنيا وكأنه فى شاشة التلفزيون ويريد أن يصل اليوم قبل غد الى مستوى الدول المتقدمة ولا يعلم إطلاقا ما دفع فى سبيل ذلك من ثمن وجهود و تضحيات شباب طموح منكوب بمأسيه من تزعزع الامن وهوان البطالة والحاجة الى السكن والتطلع الى المدرسة وانتظار المستشفى الى غير ذلك من حاجيات لا تخفى علينا كما هى لا تخفى على أبناء شعبنا الصالح منهم والطالح شباب يرى من يتبجح بالنعمة تبجحا مثيرا مستفزا لحرمانه دفع به الى فقدان الامل والرؤى القاتمة للمستقبل . لقد فسدت الأخلاق وعم فسادها. أمن رجال ونساء لازالوا للعهود حافظين يغيرون على هذا الوطن الذى حباه الله بأهمية الموقع واعتدال المناخ و شساعة الأرض وتعدد الإمكانيات حتى أشارت اليه الأصابع بخير وكذلك بسور. أمن غيورين على بلادي ليتعاونوا اليوم على البر والتقوى ويتأكدوا نهائيا أن ليس لهم عن الجزائر وطنا بديلا وانه لابد أن يتقاسموا العيش فى أرجاء هذا الوطن الحبيب وأن لكل شىء بداية وبداية الامور اليوم عندنا هو استتباب الامن والاستقرار ومن ثمة نقسم بالله وانه لقسم لو تعلمون عظيم أنه ما من شيء تعسر اليوم على البعض الا تيسير غدا للجميع . وان بلادى من عند الله مرموقة من أحبها أحبها بعشق المتيمن ومن كرهها لن يجد راحة الا فى التأمر عليها وعلى مصيرها فمن يستطيع ألا يبالي و الا يكترث بها وبما يجرى فيها. ان الذين يودون استغلال جراح الجزائر و مآسي شعبها يتظاهرون بالوطنية وما هم بالوطنيين يبدون تعلقهم بالسلم والسلام و ما هم بالمسالمين يتقنون العبث فى المياه العكرة وما يبذلون جهودا الا لتعكير الأجواء و إذكاء نار الفتنة وخلق أسبابها . ان هؤلاء الناس لن يخادعوا لا اليوم ولا غدا شعبنا الذى سئم من العنف وذاق منه الآمرين وعرف أن مردوده فى الداخل التناحر والبغضاء والكراهية وخراب البلاد فى جميع نشاطاتها وفى الخارج يعرفون أن هذه الأمور لا تزيد وزن بلادهم الا خفة تسقط الهيبة عنها وتفسح المجال لأعداء الجزائر لإعلاء مصالحهم على مصالح شعبنا وفرض نظرياتهم الاستعمارية الجديدة بعون العملاء فى الداخل.

و قد ينكرون العمالة ولكنهم هم العملاء لا يؤمنون بالوطن ولا بالشعب الجزائري ولا بضرورة الذود عن المصالح العليا للبلاد . لا يسمح لهم الشعب بالتآمر والمناورة ولن يسمح لهم بالنفاق والتلاعب بما هو أثمن عنده اليوم وجنوحه الى السلام واستتباب الامن ورجوع الطمأنينة للجميع. ان الناس فى حاجة قبل الحاجيات الأخرى الى يوم مريح وليلة هادئة والطريق الى هذا المطلب واضح بين لا مجال لمن يعادى شعبه أن يقنع الشعب بإفساد أموره بيديه ولا مجال لمن يأخذوا تعاليمهم من الخارج ليتاجروا بمصالح بلادنا أن يثابروا فى هذا الطريق . لقد استيقظ شعبنا وأصبح أكثر من أى وقت مضى يفرق بين الغث والسمين . وان دموع التماسيح لن تنسى المواطن بأن التمساح يبقى تمساحا وسماسرة الموت والخيانة يبقون سماسرة الموت والخيانة. لاشفاعة لهم عند شعبنا ولا هم يفلحون.

و من هذا الباب أتوجه إلى أخواتي و إخواني أبناء شعب جزائرنا الغالية وأغتنم فرصة احيائنا ذكرى مبايعة الامير عبد القادر وأستعين بالله وبكم وأدعوهم مرة اخرى الى طريق الرشاد الى سبيل العزة الى نهج الكرامة ولن يكون ذلك الا منا جميعا نساء ورجالا شبابا وكهولا مشمرين على السواعد فى بناء الوطن والتوكل على الله.. و من يتوكل على الله فهو حسبه ونعم الوكيل.

السلم.. السلم.. و الوئام المدني مفتاح الأمن والامان وصمام السكينة والاستقرار و الأمل. والاستقرار خلاق للمواهب معبئ للعزائم والهمم مشجع للتساوي فى الفرص جلاب لرأس المال والمستثمرين يترتب عنه وضع ينظر فيه للمجتمع بمنظور العدالة الاجتماعية الثمين وتقليص الفساد ومحاربته وترتيب البيت الوطني ترتيبا محكما و إعادة النظر فى الخريطة السياسية بما يرسخ قواعد الديمقراطية الحقة و يفعل التعددية بالتنافس الحر النزيه ويثبت تطبيق أركان الدستور بما فيه من خير للجميع. لا نهضة ترجى من فتن واغتيالات واستفزازات اصبح لا مكان لها من الإعراب. ان الشعب اختار السلام وتجاوز بحلم الملائكة عما كان من أعمال مقيتة لا خوفا من فرد ولا من جماعة بل حبا فى الوطن وتشبثا بعزته وكرامته وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . لقد عقد شعبنا العزم على رفع الراية من جديد عالية خفاقة بطموح الشباب ساطعة بتفانيهم وتضحياتهم وجدهم و أعمالهم واخذ زمام الأمور بسواعدهم القوية. لا معجزة فى الأفق الا ما اردتم ان تصنعوه بأيديكم. لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فهل من مجيب با بنات الجزائر. فهل من مجيب يا أبناء الجزائر. فهل من مجيب لصرخة الوطن الجريح التى وصلت الى السماء. إننا قوم وان وصل بنا السيل الزبى قهرناه بالصبر الجميل و بالتحلي باليقظة والمقاومة التى لا تهزم على الإطلاق والضربة المميتة للأعداء و الصمود الشامخ والرغبة فى تشييد البلاد و إعادة بنائها و عقدنا العزم على ان نرى الجزائر من جديد حرة كريمة يسعد فيها أبناؤها على اختلاف مدارسهم يحترمون بعضهم البعض ويتحابون فى الله وفى الوطن ومن ثمة تجول بلادهم وتصول بما يليق بها بين الامم.

لقد أشهدنا الله على المتخاذلين ونادينا بالوئام والتفاف الشعب ضد الخونة و اذنا بالعمل الذى لابديل له فى خلق الثروة وعاهدنا الله على ان نصل بالبلاد الى بر الامان لا نفرط فى مصالحها لا مع الشقيق ولا مع الصديق ولا مع المتعامل معنا نصادق من يصادقنا ولا نعادى من يعادينا ونوكل الله عليه ومهما امهل فانه لا يهمل.

فى حياة الشعوب فرص فريدة لا ترجع مرتين وهذه فرصة الشعب الجزائري. اولا يغتنمها . كلا. انه الى البر لمن السباقين والى انقاذ البلاد لمن الفاعلين والى تشبث الاعداء من القاهرين المتحمسين. ربنا لا تكلنا لأنفسنا فانك تقدر على مالا نقدر عليه. اولا يعز عليك ربنا ان نبتهل اليوم ونتوسل اليك بجراح هذا الوطن وشهدائه عبر الاجيال وتضحياته فى اعلاء كلمتك فى هذه البلاد وغيرها. الا تعجل برحمتك الواسعة فترجع شعبنا الى سواء السبيل و ما ذلك عليك يا ربى بعزيز. لقد ضاقت بشعبنا الارض على سعتها وحرم فى الأرض الطيبة أبناؤها من السكينة وهبت عليهم رياح الجنوب واصبح البعض منهم لا يفرق فى البوصلة شمالها عن جنوبها. أولا تأخذ بأيدينا أيها الرب الكريم فتجعل مرة أخرى من شعبنا نبراسا يستنار به ومن بلدنا مكة الاحرار والمشردين . اللهم اجعل هذا البلد امنا وقرة لأعين العرب والمسلمين مفخرة لبنى الإنسان و أخرجه من حاجته الى الناس واجعل الناس فى حاجة اليه مادامت ارادة الشعب من ارادة الله.

لقد هدانا الله ليذكرنا بان مصيرنا بأيدينا. أترضون بالرداءة والعنف والهوان والمسكنة. و إن أردتم العيش الكريم والعزة والكرامة فهي فى متناول ايديكم. وهذا ما يرضى الله وهذا ما تبتغون. وما دام الامر كذلك فمن اليوم على كل مواطن وكل مواطنة ان يقول ما قدم وما هو على استعداد لتقديمه للجزائر.لا يكرر مرة أخرى بان الجزائر لم تعطنا كل خير وانه لا زال فى انتظار المزيد. بئس مصير الطامعين الملهوفين تشاؤما. وشراهة وحسنت أعمال أولئك الذين جاهدوا ولازالوا يجاهدون فى السر والعلانية من اجل بقاء كرامتنا وبارك الله فى كل غيور لازال يغار على عزة الجزائر وعلى كرامة شعبها.

شكرا على كرم إصغائكم.. و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته".