|
بعد
ان تم للأمير تقسيم البلاد إداريا أقبل عبدالقادر على الوظائف الشرعية
ينظمها، فعين في كل منطقة أو دائرة واسعة قاضيا
عالما يفصل في الأحكام على مذهب الإمام مالك، علما من الأمير بأن
العدل أساس الملك وأن الحق والقانون فوق الجميع، وقد
وضع شروطا لمن يولى هذا المنصب أهمها أن يكون فقيها نزيها،
مشهودا له بالعفاف،والقيام بأمور الدين . وحتى يضمن الأمير السير
الحسن لسلك القضاء، اهتم بالجانب المادي لهؤلاء القضاة وعيا منه
بمدى تأثير المادة على الناس" فجعل لكل
قاضي مرتبا شهريا محترما قدره 100 دورو (50 فرنكاً)مضافا إليها
رسوما يتقاضاها على بعض العمليات التي يقوم بها." وقد فصل الأمير بين القضاء
المدني والعسكري، فجعل لكل قسم قاضيا خاصا يتولى البت في
القضايا المطروحة أمامه ينتخب لمدة سنة، قابلة
للتجديد. ولشدة حرصه على
السير الحسن للعدل في دولته " ألحق بكل
مجلس إقليمي كاتبين يقوم الأكبر منهما بدراسة الفتاوى التي تصدر عن
القاضي فيبت بالثانوية منها، ويحمل الأساسية إلى معسكر
للحكم فيها " وربط إدارة هؤلاء القضاة
بمراجعة العلامة قاضي القضاة السيد أحمد بن الهاشمي
المراحي رئيس مجلسه الخاص.
كما
حرص على أن تكون أحكام القضاء المدني والعسكري وفقا
للشريعة الإسلامية التي جعلها الامير المصدر الأساسي والوحيد لحكم
دولته فجاءت الأحكام مستمدة من الكتاب والسنة
والاجتهاد، سعيا من الأمير في بعث دولة تذكر الشعب
بعهود الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، ولتمسح الصورة السيئة لحكم
الاتراك باعتبار أن نجاح الدولة الفتية في
رأيه لا سبيل إليه إلا بإزالة الفساد الموروث " والعمل على تغيير
العلاقات القديمة، أوعلى الأقل تعديلها بقدر ما تتيح
بذلك الظروف والإمكانات، فيحقق الشعب الجزائري
وحدته" وقد آتت هذه
السياسة أكلها فالتف الشعب حول أميره الفتي واجتمع شمل الأمة حول
منهاج واحد ضاربين صفحا عن خصوماتهم ونزاعاتهم، هدفهم
الوحيد بناء دولة قوية لمجابهة العدو المتربص بهم تربص الذئب بقطيع
الغنم
. وكانت الأحكام القضائية تنفذ في الحال وخاصة إذا
كانت تتسم بالخطورة كالذنب في حق الوطن، والإدانة في قضايا التعامل مع
العدو، والجوسسة له وخرق الحصار الاقتصادي
المضروب عليه، وتميزت هذه الاحكام بالشدة والصرامة لتكون ردعا
للغير، وهي غير قابلة للاستئناف" فقد كان المبدأ الذي
يسير عليه الامير في أحكامه " أن من أعان
العدو بماله أخذ ماله، ومن ساعده بذراعه قطع رأسه، ومن فضل الامير
وعد له أنه متى أشكل عليه الأمر في قضية توقف في إصدار
الحكم بشأنها وكاتب علماء مصر والمغرب
ليستفتيهم فيها." وهكذا بفضل رعايته
للقضاء واهتمامه به وعدم التراخي في تنفيذ
الأحكام، ساد العدل والأمن سائر أنحاء الإمارة وتذوق الشعب حلاوة العيش
تحت راية حكومة شعبية وطنية، فاختفت الجرائم وهدأت
الأحوال بعد الفوضى التي شهدتها البلاد عقب
انهيار الحكم التركي بل وفي أيامه.
وإلى جانب ذلك اهتم الأمير بمحاربة الفساد
الاخلاقي،والآفات الاجتماعية فألغى البغاء ومنع شرب
الخمر وتعاطيها في جميع أنحاء إمارته، كما حرم على جنده لعب الورق"
ومنع على الرجال استعمال الذهب والفضة، إلا في الاسلحة
وعلى الخيول، وأمر بالصلوات الخمس أن
تكون في الجوامع، وأحدث أمورا محسنات للإمارة والمملكة لم تكن
موجودة." فلا عجب إذا بعد هذا أن يرى الشعب مظاهر الامن
والاستقرار تعم ارجاء الامارة فقد كان دوما يقول : " اعلموا أن
الغاية الوحيدة لقبولي هذا المنصب أن تكونوا آمنين
على أنفسكم وأعراضكم وأموالكم، مطمئنين على بلادكم متمتعين بوظائفكم
الدينية ولا يمكن أن ابلغ مرادي من ذلك إلا بمساعدتكم
مالا، ورجالا "
|