التربية والتعليم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كانت التربية والتعليم هي الشغل الشاغل في سياسة الأمير

وكان على يقين بأن حجر الأساس في هذا المجال هو الاهتمام بالكتب والمراجع مهما كانت قيمتها العلمية والأدبية ولذلك"كان يبذل كل غال ونفيس في استحضار الكتب وجلبها من الآفاق، وسواء كان ذلك عنده بالشراء أو النسخ أو النقل، وأصدر في ذلك أمره للجند بالمحافظة التامة على ما يقع بأيديهم من الكتب متوعدا في أمره هذا كل ما يبلغه عنه أنه أهان كتابا أو استنقله أو احتقر شأنه، فإنه كان يعاقب على ذلك عقابا شديدا، وكان يقدم جوائز ومكافآت مشجعة لكل من يأتيه بكتاب أو مؤلف مهما كان نوعه" إدراكا منه  لقيمة الكتاب وخاصة في ذلك العهد حيث" الكتب حينئذ قليلة في البلاد"، فمخطوط واحد يلزم لكتابة نسخة واحدة منها عدة أشهر، وهو بالزمن الطويل بالنسبة لدولة الامير التي تعيش صراعا ضد عقارب الساعة.
ونجحت هذه السياسة  نجاحا عظيما، فجمعت لإمارته الكتب المتنوعة لشتى العلوم، أسس لها مكتبة ضخمة " يسرها لطلاب العلوم والزوايا والمدارس والمساجد، وفرق الجيش وأودع كما هائلا من المخطوطة في حصن " تاقدامت" مع اعز نفائس الدولة ووثائقها واسرارها ."
وحرصا من الامير على هذه الكتب والمؤلفات فقد حملها معه لما سقطت تاقدامت بيد العدو - مع عاصمته الجديدة " الزمالة " التي يطير بها ويتنقل بساكنيها من مكان لآخر, الى ان استولى عليها الاستعمار الفرنسي بعد سقوط النمالة......

واختار الأمير لمن يتولى مهمة التربية والتعليم رجالا أكفاء مشهورين بتبحرهم في مختلف العلوم لينشروا رايته، واهتم بأوضاعهم ماديا ومعنويا فعين لهم مرتبات وأجورا حسب مراتبهم، وشجعهم على التأليف والإبداع وعينهم في سائر مدن وقرى الإمارة الفتية، يعلمون الناس ويحببون إليهم العلم والثقافة" وتشجيعيا في طلب العلم واحتراما له، فإن الأمير عبدالقادر أعطى أوامر باحترام المثقفين أينما وجدوا، وأنى كانوا كما أمر بإعفائهم حتى من الضرائب والمطالب على اختلاف أنواعها وأصنافها"
بل بلغ من احترام الأمير للعلم وأهله " أن أعفى طلبة العلم من الانخراط في سلك الجندية ليتفرغوا لطلب العلم " وكثيرا ما روت كتب التاريخ التي تناولت سيرته من أنه كان يباشر بنفسه إلقاء الدروس المختلفة في شتى العلوم وهو في حالة حرب ونزال، وبقيت هذه الصفة ملازمة له حتى آخر أيامه.
وكان حب الأمير لطلاب العلم وتقديره لهم حافزا قويا لهم في الاجتهاد والجد فانتشر العلم وأقبل عليه الناس أفواجا وازدهرت الحياة العلمية على الرغم من ان طرق هذه التعليم ومراحلها بقيت كما عهدناها في العهد التركي من مرحلة ابتدائية وثانوية وعالية، يتدرج الطالب من مرحلة لأخرى حسب استيعابه وقدرته على التحصيل، متمتعا بكل المزايا المادية والعلمية التي وفرتها الإمارة الفتية لطلاب العلم.
كما تطلع الأمير إلى إدخال العلوم الحديثة في مناهج الدراسة ليواكب العصر، كالطب للعناية بالحالة الصحية الشعبية، ففكر في بناء مدرسة عليا للطب تدرس فيها مختلف العلوم التي تتصل بهذه المهنة، ولكن الظروف لم تسمح له بذلك ورغم هذا فإن الأمير قد ابتنى فعلا كما يذكر صاحب تحفة الزائر" مستشفى بكل مقاطعة وزوده بأربعة أطباء مهرة في ذلك العهد، كما أنشأ مستشفيات خاصة لمرضى العساكر وهي من الأمور التي أحدثها الأمير وحاز بها الفضل على من تقدمه من حكام المغرب وأمرائها"

 

 

 

من مخطوطات الامير