|
|
|
"انفرد عبدالقادر دون
كثير من شعراء عصره
ولاسيما الجزائرين منهم بالإقدام الشجاع على الغزل " ذلك أن معاصريه من الشعراء - كما يرى
المؤرخون- لم يكونوا إلا قضاة شريعة، أو أئمة صلاة، أو دعاة إصلاح لاهمَّ لهم في الغزل،
فقدكانوا يتخوفون منه اتقاء نظرة المجتمع
اليهم، فتنزهوا عنه، ولم يكن هذا الأمر يمس الجزائر
وحدها آنذاك كما يذكر د. محمد السيد الوزير،" بل إن الغزل لم يكن له في البيئات العربية اتصال
سند بأفضل منه فى الجزائر، فقد اصطنع الرافعي من بعد في مصر لونا جديدا في فلسفة
الحب والجمال ليسوغ لنفسه الغزل ". وسلمه وحربه، ورافقها معه إلى الأسر
وأعادها إلى استنبول وبروسة ودمشق وامتنع عن الحج خشية أن
يفقدها في تغيبه . ولما اختارها الله لجواره سنة 1273 هـ حزن عليها حزنا شديدا
وافتقد في شخصها إنسانا عزيزا وحبيبا غاليا "كما كان شديدا الاحترام لها يأخذ
برأيها ويستشيرها حتى أنه اتهم بأنه يخضع لما تصدره من مكاتبات وتحارير ومراسلات
موقعة باسمه".
وشاعرنا يعترف بهذا اعترافا صريحا في أحد أبياته:
وعبدالقادر ينطلق في غزله من تراثه
الإسلامي وتربيته الدينية فلا يرى في الغزل عيبا مادام بعيداً عن
الإباحة، وينحو فيه منحى روحيا ينتمي إلى التيار العذري في صدقه، فلم يكن غزله
مادياً ماجناً، ولذلك برىء شعر الغزل عنده مما يعاب به" أليس عبدالقادر من حراس الأخلاق
ويشترط بذلك مكارمها حسب التعبير النبوي، ومن رعاة المجتمعات وحماة الضغينة،
والمعتقدات الموروثة، فكل ذلك أدى إلى ظهور الجوانب الروحية والخلقية لا في حياته
اليومية فحسب، بل انعكس ذلك على شعره وأدبه بصفة عامة، إضافة إلى هذا فإن النزعة
الصوفية عند عبدالقادر كان لها أثر هام في توجيه فن الغزل عنده، وذلك أنه عرف التصوف
ومارسه في الجزائر وفرنسا وبروسية، وأخيرا في دمشق ومن المعروف أن التصوف
ينمي الجوانب الروحية والخلقية في الإنسان ويبعده عن الجوانب المادية الضيقة
المغلقة، ولايخفى أن الحب والغزل الإلهيان عنصران أساسيان من عناصر الشعر الصوفي
في الإسلام.
" الجمع بين الغزل والفخر:
وحينما يقرن شاعرنا فخره بغزله، فإنه يسعى لتأكيد هذه الحقائق ويجليها أمام حبيبه، فأقواله تصدقها الفعال، يدخل معامع المعارك لايهاب السيوف الوامضة، ولا الرماح الضاربة، في يوم تشيب لهوله الولدان، تصير هامات أعدائه غمدا لسيفه، يشق الصفوف المتلاطمة بنفس لاتعرف الخوف والتراجع وسط طلقات المدافع، ومع هذا كله يُرى صبورا متجلدا متحملا المكاره بنفس قوية، هذه النفس التي تقف أمام الحبيب خاضعة ذليلة يتملكها الخوف والرهبة، تذرف الدمع مدرارا حين دنو لحظة الفراق فلم تجد من تلك الشجاعة إلا هذه الزفرات التي تتصاعد مع أبيات الشاعر:
سلطان الجمال والخضوع له:
ويتمنى الأمير على هؤلاء أن يدعوا العين واللحظ تقومان بهذه المهمة فهما أقدر وأكفأ، أفرأيتم فعل العين في الوجه الصبوح حين تلحظه، حيث تحمر الخدود، وتتورد حياء وخجلا، فتصير آية للناظرين، تزيد نار الحب اشتعالا، فينطلق العشاق يسبحون في سماء الجمال ببديع الخالق المصور، فجمال الشيء في نضرته، وأحب الخدود إلى المرء هي تلك التي تسلم من هذا الفعل الشنيع:
وهيمنة الجمال على الإنسان وخضوعه له ليس من العار في شيء لأن طريق الحب ذل وتودد وتواضع لكسب رضا الحبيب وفؤاده، فالجمال ملك وطيد في جوانح أهل الهوى الأسخياء، فالعطاء حتى الفداء صدق المحبة:
ويتساءل الشاعر عن هذا الخضوع والانقياد ثم لا يفتأ إلا قليلا حتى يجد الجواب الشافي في قوله:
فالكريم الجواد، والفارس الحق عند عبدالقادر، هو من يتواضع ويتكيف مع المقام، فتراه في ذل بعد عز، وبكاء ودموع بعد صبر وتجلد، وخضوع بعد رفعةلا لشيء سوى إرضاء الحبيب وإظهار آيات الحب والإخلاص فلا جناح عليه في كل ذلك، بل إن الفعل كريم وحسن، مقابل غاية عظيمة هي الفوز بالوصال ولقاء الحبيب الذي يهون في سبيله كل عز ومجد:
عذاب الحبيب وتدلل المحبوب:
وهذا المحبوب في تيهه ودلاله يقابل دوما الإحسان بالإساءة ويعتمد البعد حتى يدنو أجل الوصال، فهو لايرعى ذمة ولا يعطي جاره حقه من المؤانسة والمحادثة، نراه يختال مبديا جماله البارع إمعانا في تعذيب الشاعر
وحتى المزاح لايجد عند هذا القاسي قبولا، فتراه يصد عنه رافضا وقاطعا كل أسباب الوصال واللقاء حتى ولو من باب الأمل فقط، وأمام هذا يأخذنا العجب حين نرى شاعرنا ينتابه شعور من الانبساط والفرحة متى عاتبه حبيبه ولامه ولأن مجرد سماع حديثه ولو من باب الملامة والعتاب يطفئ النار المتأججة في فؤاده، فحياة عبدالقادر وأمله معلقان برضا الحبيب وعفوه، وتفضله بالوصال معناه ديمومة السعادة والهناء، فإن الأقدار قد حكمت بالموت والفناء على نفس الأمير البائسة:
ويظل الأمير يطالعنا بهذه الصور المتناقضة بينه وبين حبيب الفؤاد شاكيا ما يلاقيه من هذا الحب، فحبيبه قاس أحال حياته إلى عذاب، وهناءه إلى حيرة وعلى الرغم من ذلك فالشاعر يقابل الإساءة بالإحسان فهو في سعيه، دوما لراحة حبيبه يبذل نفسه ومهجته في سبيل ارضائه فيكون الجزاء جفاء وعذابا نكرانا للجميل، يريد حياتها وهي تسعى لحتفه وهلاكه، لا قتلا ولكن هجرا وصدا وبعادا، وهي اشد فتكا من الموت، فتراه يبكي وينوح، يراقب النجوم ساهرا، وهي تنعم بجميل الرقاد، وكأن الأمر لايعنيها بتاتا، تصر دوما على الصد، وتتعمد ذلك فتزيد في عذابه، لاذنب جناه سوى أنه أحب، وهل الحب جريمة ليعاقب عليها بكل هذه القسوة، فقد رأت فيه إنسانا ظلوما يستحق العقاب فناله بدون رأفة:
وأمام هذا الجفاء والصدود، يرفع الشاعر صوته شاكيا باكيا طالبا العفو والرحمة من هذا القاضي الظالم ولكن هيهات فالحبيب قد صم أذنيه وتحجر قلبه فلن يرحم ولن يعدل عن حكمه، بل كلما ازداد الشاعر شكوى ازاد الحبيب تماديا في هجره، فلم تقبل له شفاعة ولا وساطة، رافضا كل وصال وتقارب متهما عبدالقادر بالخطأ في حقه، فلن يدع كبيرة ولا صغيرة إلا احصاها كدليل اتهام، بينما نرى الشاعر في المقابل يتسامح ويغفر لها كل ما جنته في حقه إن لم نقل يبحث لها عن الأعذار والمبررات ليقنع نفسه ببراءة حبيبه:
وعلى الرغم من هذا كله، فإن قلب الشاعر لايعرف اليأس ولا يعترف بالفشل والهزيمة، فأهل الهوى دوما يمنون النفس ويحاولون خداعها، تراهم يتعلقون بأوهن خيوط الأمل ينتظرون البشير حاملا إليهم الخبر السار عن رضا الحبيب وقرب موعد الوصال، وهو ما ينتظره الشاعر فعلا حين يعد حامل البشرى إن جاءه يوما بها، أن يهبه روحه ونفسه وهما أغلى ما يملك الإنسان، يتنازل عنهما الشاعر جزاء هذا المعروف بنفس راضية إدراكا منه بأن كل ما يملك لا يساوي شيئا مقابل نظرة رضا وعفو من الحبيب:
ويطالعنا عبدالقادر في إحدى تعبيراته الشعرية بطبيعة هذا الحب الصافي الطاهر المفعم بالإيثار ونزعة النضحية، فلا مال الدنيا وزخرفها يصرفه عن حبه هذا، فهو كنزه ومراده وغناه ولايبغي عنه بديلا قمة الإخلاص والوفاء:
وفي قصيدته " فراقك نار" يسير فيها على نفس النهج السابق فتراه يعزف على أوتار الأنين والشكوى والفراق، وعتاب الحبيب، مصورا حالته البائسة من ضعف وألم وحنين يجسدها في أبيات تفوح ألما وحسرة:
ويمعن في تصوير حالته المأساوية، معددا صورا حزينة توحي بالشفقة والرحمة فهو العاشق الولهان الغريق الأسير الذي يحترق بنار الهجر والوجد والصد، دموعه تنساب مدرارة، يحاول إخفاء الأمر ومداراة حاله، ولكنه يعجز فزفراته ودموعه وآلامه تكشفه وتفضح سره الدفين وتجليه أمام الناس في هذه الصورة:
وعلى الرغم من هذه المعاملة القاسية التي يلاقيها الشاعر إلا أن حبيبه قد ملك عليه روحه وفؤاده، واحتل من نفسه مكانا غاليا لم يحل فيه أي كان، فاستحوذ عليه ولم يترك لغيره مكانا، يرتع فيه ماشاء ويزرع بين جنباته جذور الهوى والشوق فأمست العين تفيض معا تستجدي الرحمة والرأفة من هذا العذاب:
ويحاول عبدالقادر أن يصور لنا قوة نفسه وصبرها على تحمل العذاب فهو أشد صلابة ومتانة من الصخر، وإن لمن الصخر لما يشقق ويذوب لو تحمل وقاسى بعض الذي عاناه الشاعر:
ومع هذا الصبر والتجلد اللذين يبديهما الشاعر، إلا انه يعلم أن للصبر حدودا مهما طال، فيسارع إلى البحث عن هذه النهاية الحتمية لعذابه، فهل لما هو فيه من نهاية؟، لقد استطال الأمر عليه وما يخاله منتهيا إلا ونفسه مسجاة في لحده، فهل يجود الدهر ويرحم هذه النفس المعذبة فيجمعها بحبيبها ؟ أم سيكون هو أيضا شريكا في هذه المأساة؟
وكأن مراد شاعرنا من هذا البكاء والشكوى نقل رسالة صادقة أمينة تصورحالة هذا الحبيب عسى أن يعفو ويصفح ويرحم فينال الشاعر مبتغاه ويفوز باللقـــــاء المأمول:
الشاعر والليل:
ويشكو عبدالقادر لياليه فيحسن الشكوى من جفاء الحبيب وصدوده ويرسم لنا صورة تعيسة فأحزانه تتجدد مع إطلالة كل يوم جديد، يكون الشاعر قد قضى ليله يرعى نجومه، ويعد ساعاته قد جفا النوم مقلتيه اللتين لم تجدا غير الدموع ترسلها حزنا وبكاء، يبيت ليله وكأنه صب تقطعه آلام الفرقة والبعد، فيولي وجهه شطر السماك والجدي يلاحقها بعينيه فكأنه موكل بمراقبتها، متحملا طول الليل ووحشته، يرسم الآمال الكاذبة لنفسه ويمنيها بغد سعيد:
وعلى الرغم من هذا العذاب الذي يشكوه الشاعر من رفيقه الليل إلا أنه يهواه لا حبا في عذابه وقهره وسهره، ولكنه لحاجة في نفسه، فهو ينتظر لياليه ويرقب قدومها مراقبة العاشق المستهام، يكلف جفنيه النوم فيه، عسى أن يطرق طيف الحبيب أبواب قلبه في غفوته فينال المراد، فنراه يبث شعره شعوره بالوحدة والشوق والبكاء حاثا هذا الطيف الكريم في دعوته لزيارته عله يرى خيال الأحبة فتخبو نار الشوق والحنين ولو إلى حين، وأي تضحية تلك التي يستعذب صاحبها العذاب والألم لقاء نظرة خيال والتمتع بجمال طيف الحبيب ولو في الأحلام:
والشاعر يعلم مدى قسوة حبيبه وأن هذه الأبيات لن تكون شفيعا لديه فيسارع إلى وساطة غيره ليرسم لهذا الحبيب الصورة البائسة لهذا العاشق الوفي ويشرح لهاحاله وأحواله عسى أن يلين قلبها فترفع عنه غضبها وعقابها، والأمير يقنع بالقليل، فإذا استحال الوصال يرضى بالطيف والخيال، وهو ليس بالمطلب العزيز المحال:
ثم أليست هذه الحبيبة هي سبب كل هذه المعاناة، جعلت الأمير رفيق الليل وحارس النجوم، وغيره ينعم بالنوم الهانئ، فليلهم لباس ونهارهم معاش يرثون لحال صاحبنا ويتمنون زوال نائبته:
وأخيرا، حين يتنازل حبيب الشاعر من برجه العالي ويقدر هذا الحب والإخلاص، يبادر إلى إرسال الطيف الموعود متفضلا بزيارة عبدالقادر، فيقطع إليه دونه الصحارى والقفار، ويتخطى العوائق، لينزل عليه وهو في غفلة منه إيذانا بانفراج الأزمة، ليهب الشاعر من هول المفاجأة فرحا لقرى ضيفه الغالي الذي طال انتظاره، فيرحب به، ويبذل مسعاه لتوفير كل أسباب الكرم والضيافة، فتراه-من فرحته- يفرش لها خديه ليطأهما الحبيب وهما على غلاوتهما، لايضن الشاعر بشيء عن هذا الزائر الكريم، ويبدأ الأمير وحبيبه يتطارحان أطراف الحديث من حب وعتاب وشكوى وأنين، فقد ذابا في مناجاتهما وأصبحا مركز العالم لايشعران بما يحيط بهما، والأمير لاينفك يصف عذابه وحرقة جمرات الهوى التي أغرقته في دموع الشوق، وهو صابر ينتظر الفرج وساعة الخلاص كالتي يحياها الآن نشوان سكران بكؤوس الهوى والغرام:
ولاشك أن هذه الأبيات تخلو من جيشان العاطفة وصدق الشعور وانما هي أقرب إلى إظهار البراعة اللغوية، لكنها -على كل حال -نموذج لكتابات كثيرة غزلية شاعت في المشرق والمغرب في عصر الأمير عبدالقادر.
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||