"انفرد عبدالقادر دون كثير من شعراء عصره ولاسيما الجزائرين منهم بالإقدام الشجاع على الغزل " ذلك أن معاصريه من الشعراء - كما يرى المؤرخون- لم يكونوا إلا قضاة شريعة، أو أئمة صلاة، أو دعاة إصلاح لاهمَّ لهم في الغزل، فقدكانوا يتخوفون منه اتقاء نظرة المجتمع اليهم، فتنزهوا عنه، ولم يكن هذا الأمر يمس الجزائر وحدها آنذاك كما يذكر د. محمد السيد الوزير،" بل إن الغزل لم يكن له في البيئات العربية اتصال سند بأفضل منه فى الجزائر، فقد اصطنع الرافعي من بعد في مصر لونا جديدا في فلسفة الحب والجمال ليسوغ لنفسه الغزل ".
وقبل أن ندخل في دراسة شعر الغزل عند عبدالقادر يجدر بنا أن نقف على أهم الدوافع التي دعت الشاعر إلى التطرق إلى هذا الفن والخوض فيه.
ولعل أهم هذه الأسباب والدوافع هي علاقة الأمير بالمرأة بشكل عام ودور الأمومة في حياته بشكل خاص.
يحدثنا محقق الديوان عن هذه العلاقة بقوله" ولعل السر في هذا الخضوع للمرأة كان من وراء اعجابه بأمه وحبه لها وشدة تعلقه بها، فقد لازمها في حله وترحاله،

وسلمه وحربه، ورافقها معه إلى الأسر وأعادها إلى استنبول وبروسة ودمشق وامتنع عن الحج خشية أن يفقدها في تغيبه . ولما اختارها الله لجواره سنة 1273 هـ حزن عليها حزنا شديدا وافتقد في شخصها إنسانا عزيزا وحبيبا غاليا "كما كان شديدا الاحترام لها يأخذ برأيها ويستشيرها حتى أنه اتهم بأنه يخضع لما تصدره من مكاتبات وتحارير ومراسلات موقعة باسمه".
وبالتأكيد فإن هذه الأم كانت تتمتع بشخصية طاغية فرضت احترامها على كل من رآها وقابلها، حتى أن " الإمبراطور لويس نابليون لما زار الأمير فى أسره بأمبواز، وعندما قدم الامير والدته قبل البرنس يدها وسألها الدعاء" .
وهكذا كانت لهذه المحبة القوية والاحترام الشديد من الأمير لوالدته الأثر الفعال في تحويل محبته وخضوعه وإعجابه إلى المرأة بشكل عام وأساسي.
أما الدافع الثاني فهو سلطان الجمال، فعلى الرغم من أن شاعرنا كان " عصبي المزاج، عنيفا في الدفاع عما يعتقده أنه الحق، لايلين للقوة مهما قست وطغت، فيه شيء من عنجهية البادية وعنادها، على ليونة في القلب أمام الجمال وتراخ لعزة المرأة. "
وشاعرنا لم يكن سباقا في الإقرار بسلطان الجمال على نفس الفارس وخضوعه له، فقد سبقه إلى ذلك فرسان وأبطال وشعراء" وبخاصة منهم في الجاهلية والإسلام أو أي عصر ومجتمع كان لهم بالمرأة هذا الهيام التلقائي وارتباط فروسيتهم بمحبتها ارتباط وجهي العملة بعضها ببعض "، وفي ذلك يقول أحدهم:

نحن قوم تذيبنا الأعين النجـ

 

 

ل على أنـنـا نـذيـب الـحـديـدا

وترانـا لـذى الكريهة أحـــــرا

 

 

را وفـي الـسـلم للغواني عبيدا

وشاعرنا يعترف بهذا اعترافا صريحا في أحد أبياته:

وسـلـطان الـجـمال له اعتزاز

 

 

على ذي الخيل والرجل الجواد

وعبدالقادر ينطلق في غزله من تراثه الإسلامي وتربيته الدينية فلا يرى في الغزل عيبا مادام بعيداً عن الإباحة، وينحو فيه منحى روحيا ينتمي إلى التيار العذري في صدقه، فلم يكن غزله مادياً ماجناً، ولذلك برىء شعر الغزل عنده مما يعاب به" أليس عبدالقادر من حراس الأخلاق ويشترط بذلك مكارمها حسب التعبير النبوي، ومن رعاة المجتمعات وحماة الضغينة، والمعتقدات الموروثة، فكل ذلك أدى إلى ظهور الجوانب الروحية والخلقية لا في حياته اليومية فحسب، بل انعكس ذلك على شعره وأدبه بصفة عامة، إضافة إلى هذا فإن النزعة الصوفية عند عبدالقادر كان لها أثر هام في توجيه فن الغزل عنده، وذلك أنه عرف التصوف ومارسه في الجزائر وفرنسا وبروسية، وأخيرا في دمشق ومن المعروف أن التصوف ينمي الجوانب الروحية والخلقية في الإنسان ويبعده عن الجوانب المادية الضيقة المغلقة، ولايخفى أن الحب والغزل الإلهيان عنصران أساسيان من عناصر الشعر الصوفي في الإسلام. "
وقد آثرت وأنا أتناول فن الغزل عند شاعرنا أن أرجعه إلى نقاط تبدو واضحة من خلال الاستقرار المتأني لهذا الشعر وأولى هذه النقاط:

الجمع بين الغزل والفخر:
جعل الأمير من شخصه نقطة ارتكاز غزله فقد كان يتغزل ويفرد لنفسه مكانا في قصائده، فهو ومحبوبه يشتركان في القصيدة لاعتزازه بنفسه ونسبه وشجاعته، فهو البطل الشجاع الذي تفر أمامه الفوارس وتتساقط الأبطال كلمى تحت ضربات سيفه البتار، ولكنه يقف موقفا مناقضا تماما لهذا أمام المحبوب فتخونه الشجاعة، ويفتقد الإقدام، فيغدو عاجزا لاحول ولاقوة له لايجد إلا الشكوى والأنين:

ومن عجب تهاب الأسد بطشي

 

 

ويمنعني غزال عن مرادي

وحينما يقرن شاعرنا فخره بغزله، فإنه يسعى لتأكيد هذه الحقائق ويجليها أمام حبيبه، فأقواله تصدقها الفعال، يدخل معامع المعارك لايهاب السيوف الوامضة، ولا الرماح الضاربة، في يوم تشيب لهوله الولدان، تصير هامات أعدائه غمدا لسيفه، يشق الصفوف المتلاطمة بنفس لاتعرف الخوف والتراجع وسط طلقات المدافع، ومع هذا كله يُرى صبورا متجلدا متحملا المكاره بنفس قوية، هذه النفس التي تقف أمام الحبيب خاضعة ذليلة يتملكها الخوف والرهبة، تذرف الدمع مدرارا حين دنو لحظة الفراق فلم تجد من تلك الشجاعة إلا هذه الزفرات التي تتصاعد مع أبيات الشاعر:

ومـن عجب صبري لكل كريهـــــــــة

 

 

وحملـيَ أثـقـالاً تـجـلّ عن العــــدِّ

ولست أهاب البـيض كلا ولا القنــــا

 

 

بيوم تصير الهام للبيـض كـالغمد

ولا هالني زحف الصفوف وصوتها

 

 

بيوم يشيب الطفل فيه، مع المرد

وأرجاؤه أضحـت ظـلاما وبرقــــــه

 

 

سيـوفـا وأصـوات الـمدافع كالرعد

وقد هالني بل قد أفاض مدامعـــــي

 

 

وأضنى فؤادي بـل تعدى عن الحد

فـراق الذي أهـواه كهـلا ويافعــــــا

 

 

وقلبـي خـليٌّ من سعادٍ، ومن هند

سلطان الجمال والخضوع له:
وللجمال عند شاعرنا سلطان عظيم ومنزلة كبرى، يدافع عنه الشاعر بكل ما أوتي من قوة الكلمة، ويعتبر أن الخضوع له ليس عيبا أو منقصة، بل إن كمال الرجل الفارس في هذا الخضوع والتذلل لاعن خوف وجبن وعجز، ولكن دلالاً وإكباراً وتقديراً لهذا الجمال، ومن هنا نرى شاعرنا يتحامل ويهاجم بشدة أولئك الذين يسيؤون بأفعالهم لجمال المرأة ويشوهون خدودها عن طريق الوشم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولكنهم في حقيقة الأمر يجنون على تلك الخدود الندية الطرية، فيهتكون أستار الجمال فيها، فيبدو مرآها قبيحا بعد أن كانت ملهم الشعر والابداع وينكر الشاعر عليهم أن تكون لهم نفوسا حساسة تعرف للجمال حقه وللحسن منزلته:

أقـول لـقـوم لا تـفـيـد نصيحتي

 

 

لديهم، ولو أبديت كل الأدله

ألا فاتركوا ورد الخدود وشأنه

 

 

فتخديدكم في الخد أقبح فعله

أيـعـمـد ذو لـب، لـخـد مــورد

 

 

ويقسمه عمدا إلى شر قسمه

ويتمنى الأمير على هؤلاء أن يدعوا العين واللحظ تقومان بهذه المهمة فهما أقدر وأكفأ، أفرأيتم فعل العين في الوجه الصبوح حين تلحظه، حيث تحمر الخدود، وتتورد حياء وخجلا، فتصير آية للناظرين، تزيد نار الحب اشتعالا، فينطلق العشاق يسبحون في سماء الجمال ببديع الخالق المصور، فجمال الشيء في نضرته، وأحب الخدود إلى المرء هي تلك التي تسلم من هذا الفعل الشنيع:

فباللحظ لا الموسى تخدش وجنة

 

 

فـيـا ويلـتا مـنه وياطول حسرتي

وإني لأهـوى كـل خــد مــــــــورد

 

 

زها، قطُّ لم يمسَسْه موسى بخدشة

       

وهيمنة الجمال على الإنسان وخضوعه له ليس من العار في شيء لأن طريق الحب ذل وتودد وتواضع لكسب رضا الحبيب وفؤاده، فالجمال ملك وطيد في جوانح أهل الهوى الأسخياء، فالعطاء حتى الفداء صدق المحبة:

فـما فـي الـذل للـمـحبوب عار

 

 

سبـيل الـحب، ذل للمرادِ

رضا المحبوب ليس لـه عديل

 

 

بغير الذل، ليس بمستفاد

ويتساءل الشاعر عن هذا الخضوع والانقياد ثم لا يفتأ إلا قليلا حتى يجد الجواب الشافي في قوله:

وماذا غـيـر أن له جمــــــالا

 

 

تـملـك مـهـجـتـي مـلك الـسواد

وسلطان الجمال له اعتـــزاز

 

 

على ذي الخيل والرجل الجواد

فالكريم الجواد، والفارس الحق عند عبدالقادر، هو من يتواضع ويتكيف مع المقام، فتراه في ذل بعد عز، وبكاء ودموع بعد صبر وتجلد، وخضوع بعد رفعةلا لشيء سوى إرضاء الحبيب وإظهار آيات الحب والإخلاص فلا جناح عليه في كل ذلك، بل إن الفعل كريم وحسن، مقابل غاية عظيمة هي الفوز بالوصال ولقاء الحبيب الذي يهون في سبيله كل عز ومجد:

وهــذا الـفـعـل مغتفر وزين

 

 

إذا-يوماً - أبيت على معاد     

فإن رضيتْ عليَّ أرَتْ محيَّا

 

 

بـشوشاً بـالـملاحة، ظَلَّ باد

       

عذاب الحبيب وتدلل المحبوب:
والأمير مغرم في شعره الغزلي برسم الصور المتناقضة التي يوردها في أبياته، مصورا حالته الكئيبة الحزينة شاكيا عذابه وآلامه، مبينا في المقابل صورة الحبيب وهو يتيه عزاً ودلالا، يمعن في تعذيب الشاعر مصرًّا على إنزال أشد الألم به، فكلما ازداد ذاك دلالاً وغنجاً سعى الآخرطمعاً في الوصال، فيصده الحبيب مبتعدا، يزيد في لوعة الشوق والحنين وكأن الحبيب قد أصدر حكما بالإعدام مع وقف التنفيذ، يوعد فيخلف وعده يطيل أمد الوصال لتزداد جمرة الحب والشوق التهابا فيكتوي بها الفؤاد، حتى لكأن الشاعر يقر ويذعن اعترافا بأنه آن الأوان لهذا الهجر والفراق أن ينتهي فقد ثاب إلى رشده وتاب عن أفعاله، ولأشد مايخشاه شاعرنا أن يمتد هذا العذاب إلى مالا نهاية، فتكون معه خاتمة الأمير، ويتأصل الداء فلن يجد معه الدواء الشافي، لذلك يتودد الأمير ويستعطف المحبوب ليرفع عنه هذا العقاب والعذاب فيعيد إليه الحياة من جديد:

فإن كان هذا البعد تأديب مذنب

 

 

فإنـا بـهــذا القدر صرنا على شفا

وإن لـنخـشى إن تطاول بعدكم

 

 

يصير لـكم سلوى فلا يرتجى شفا

فمنوا بلقياكم وإلا فـلا بـقــــــــا

 

 

وريح الفنا تسفي علينـا إذا سفـــا

 

 

وهذا المحبوب في تيهه ودلاله يقابل دوما الإحسان بالإساءة ويعتمد البعد حتى يدنو أجل الوصال، فهو لايرعى ذمة ولا يعطي جاره حقه من المؤانسة والمحادثة، نراه يختال مبديا جماله البارع إمعانا في تعذيب الشاعر

وأطـلـب قـربـه فـيـزيد بـعــــــدا

 

 

قديـمـاً مـن وصالٍ في نِفـارِ

وهذا الظبي لا يرعي ذمامـــــاً

 

 

ولا يرضى موانـسةً لـجـــار

يتيه بـدلّـه ويـصـول عـمــــــداً

 

 

غـني بالجمال، فلا يــداري

وحتى المزاح لايجد عند هذا القاسي قبولا، فتراه يصد عنه رافضا وقاطعا كل أسباب الوصال واللقاء حتى ولو من باب الأمل فقط، وأمام هذا يأخذنا العجب حين نرى شاعرنا ينتابه شعور من الانبساط والفرحة متى عاتبه حبيبه ولامه ولأن مجرد سماع حديثه ولو من باب الملامة والعتاب يطفئ النار المتأججة في فؤاده، فحياة عبدالقادر وأمله معلقان برضا الحبيب وعفوه، وتفضله بالوصال معناه ديمومة السعادة والهناء، فإن الأقدار قد حكمت بالموت والفناء على نفس الأمير البائسة:

أمازحه فلا يرضى مـزاحـــــــا

 

 

وأسأله المراء فـلا يــمــــــــــاري

ويعتبني فيكسو القـلـب بسطا

 

 

لأن العتب يطـفي حــر نــــــــاري

فإن هو لم يجدْ بالوصل أصلا

 

 

ويدني الطيف من سكنــي وداري

أقل للنفس ويك ألا فذوبــــــي

 

 

ومـوتـي فـالـقـضـاء عـلـيـك جـار

ويظل الأمير يطالعنا بهذه الصور المتناقضة بينه وبين حبيب الفؤاد شاكيا ما يلاقيه من هذا الحب، فحبيبه قاس أحال حياته إلى عذاب، وهناءه إلى حيرة وعلى الرغم من ذلك

فالشاعر يقابل الإساءة بالإحسان فهو في سعيه، دوما لراحة حبيبه يبذل نفسه ومهجته في سبيل ارضائه فيكون الجزاء جفاء وعذابا نكرانا للجميل، يريد حياتها وهي تسعى لحتفه وهلاكه، لا قتلا ولكن هجرا وصدا وبعادا، وهي اشد فتكا من الموت، فتراه يبكي وينوح، يراقب النجوم ساهرا، وهي تنعم بجميل الرقاد، وكأن الأمر لايعنيها بتاتا، تصر دوما على الصد، وتتعمد ذلك فتزيد في عذابه، لاذنب جناه سوى أنه أحب، وهل الحب جريمة ليعاقب عليها بكل هذه القسوة، فقد رأت فيه إنسانا ظلوما يستحق العقاب فناله بدون رأفة:

أقاسي الحب من قاسي الفؤاد

 

 

وأرعاه ولا يـــرعــــــــــى ودادي

أريد حياتها وتريد قـتلــــــي

 

 

بـهجر أو بـصـد أو بـــعــــــــــــاد

وأبكيها فـتضحك مـلء فيهــــا

 

 

وأسهر وهي فـي طيب الرقــــاد

وتعمَى مقلـتـي إمـا تنــــــاءت

 

 

وعينـاهـا تـعـمـي عن مــــــرادي

وتهجرني بـلا ذنـب تــــــــراه

 

 

فـظـلمـي قـد رأت دون الـعــبـــاد

وأمام هذا الجفاء والصدود، يرفع الشاعر صوته شاكيا باكيا طالبا العفو والرحمة من هذا القاضي الظالم ولكن هيهات فالحبيب قد صم أذنيه وتحجر قلبه فلن يرحم ولن يعدل عن حكمه، بل كلما ازداد الشاعر شكوى ازاد الحبيب تماديا في هجره، فلم تقبل له شفاعة ولا وساطة، رافضا كل وصال وتقارب متهما عبدالقادر بالخطأ في حقه، فلن يدع كبيرة ولا صغيرة إلا احصاها كدليل اتهام، بينما نرى الشاعر في المقابل

يتسامح ويغفر لها كل ما جنته في حقه إن لم نقل يبحث لها عن الأعذار والمبررات ليقنع نفسه ببراءة حبيبه:

وأشكوها البعاد وليس تصغي

 

 

إلى الشكوى وتمكث في ازديــــاد

وأبذل مهجتـي في لـثم فيهـــــا

 

 

فتمنعني وأرجـع مـنـه صــــــــاد

واغتفر العظـيم لها وتحصـــي

 

 

عليَّ الـذنـب فـي وقـت العــــــداد

وأخضع ذلة، فتزيد تيهــــــــا

 

 

وفي هجري أراها في اشتــــــداد

فما تنفـك عـني ذات عــــــــــز

 

 

وما انفك في ذلـي أنــــــــــــــادي

وعلى الرغم من هذا كله، فإن قلب الشاعر لايعرف اليأس ولا يعترف بالفشل والهزيمة، فأهل الهوى دوما يمنون النفس ويحاولون خداعها، تراهم يتعلقون بأوهن خيوط الأمل ينتظرون البشير حاملا إليهم الخبر السار عن رضا الحبيب وقرب موعد الوصال، وهو ما ينتظره الشاعر فعلا حين يعد حامل البشرى إن جاءه يوما بها، أن يهبه روحه ونفسه وهما أغلى ما يملك الإنسان، يتنازل عنهما الشاعر جزاء هذا المعروف بنفس راضية إدراكا منه بأن كل ما يملك لا يساوي شيئا مقابل نظرة رضا وعفو من الحبيب:

خلـيـلي إن أتيت إلي يومــا

 

 

بشيرا بالوصال وبالوداد

فنفسي، بالبشارة إن ترمـهـا

 

 

فخذها بالطريف وبا

ويطالعنا عبدالقادر في إحدى تعبيراته الشعرية بطبيعة هذا الحب الصافي الطاهر المفعم بالإيثار ونزعة النضحية، فلا مال الدنيا وزخرفها يصرفه عن حبه هذا، فهو كنزه ومراده وغناه ولايبغي عنه بديلا قمة الإخلاص والوفاء:

إذا ما الناس ترغب في كنوز

 

 

فبنت العم مكتنزي وزادي

وفي قصيدته " فراقك نار" يسير فيها على نفس النهج السابق فتراه يعزف على أوتار الأنين والشكوى والفراق، وعتاب الحبيب، مصورا حالته البائسة من ضعف وألم وحنين يجسدها في أبيات تفوح ألما وحسرة:

أقول لمحبوب تخلف من بـعـــــدي

 

 

عليلا بأوجاع الفراق، وبالـبعــــد

أَمَا أنت حقا، لـو رأيت صبابتـــــي

 

 

لهان عليك الأمر، من شدة الوجد

وقلت: أرى المسكين عذَّبه النـوى

 

 

وأنحله - حقا -إلى منتهى الحــد

ويمعن في تصوير حالته المأساوية، معددا صورا حزينة توحي بالشفقة والرحمة فهو العاشق الولهان الغريق الأسير الذي يحترق بنار الهجر والوجد والصد، دموعه تنساب مدرارة، يحاول إخفاء الأمر ومداراة حاله، ولكنه يعجز فزفراته ودموعه وآلامه تكشفه وتفضح سره الدفين وتجليه أمام الناس في هذه الصورة:

وإني -وحق- الله دائم لوعــة

 

 

ونار الجوى بين الجوانح في وقْــــــــد

غريق أسير السقم مكلوم الحشا

 

 

حريق بنار الهجر والوجد والصــــــــــد

غريق، حريق،هل سمعتم بمثل ذا

 

 

ففي القلب نار والمياه على الخــــد

حنيني أنيني زفرتي، ومضرَّتـي

 

 

دموعي، خضوعي قد أبان الذي عندي

       

وعلى الرغم من هذه المعاملة القاسية التي يلاقيها الشاعر إلا أن حبيبه قد ملك عليه روحه وفؤاده، واحتل من نفسه مكانا غاليا لم يحل فيه أي كان، فاستحوذ عليه ولم يترك لغيره مكانا، يرتع فيه ماشاء ويزرع بين جنباته جذور الهوى والشوق فأمست العين تفيض معا تستجدي الرحمة والرأفة من هذا العذاب:

فحلَّتْ محلاًّ لم يكن حل قـبـلهــــا

 

 

وهيهات أن يحلل به الغير أو يجدي

وقد عرَّفَتْني الشوق من قبل والهوى

 

 

كـذا والبكا - ياصاح - بالقصر والمد

ويحاول عبدالقادر أن يصور لنا قوة نفسه وصبرها على تحمل العذاب فهو أشد صلابة ومتانة من الصخر، وإن لمن الصخر لما يشقق ويذوب لو تحمل وقاسى بعض الذي عاناه الشاعر:

فلو حملتْ رضوى من الشوق بعض ما

 

 

حملتُ لذاب الصخر من شدة الوجد

ومع هذا الصبر والتجلد اللذين يبديهما الشاعر، إلا انه يعلم أن للصبر حدودا مهما طال، فيسارع إلى البحث عن هذه النهاية الحتمية لعذابه، فهل لما هو فيه من نهاية؟، لقد استطال الأمر عليه وما يخاله منتهيا إلا ونفسه مسجاة في لحده، فهل يجود الدهر ويرحم هذه النفس المعذبة فيجمعها بحبيبها ؟ أم سيكون هو أيضا شريكا في هذه المأساة؟

ألا هل لهذا البين من آخرٍ فقد

 

 

تطاول حتى خلت هذا إلـى الـلحد

ألا هل يجـود الدهر بعد فراقنا

 

 

فيجمعنا والدهر يجري إلى الضد

وكأن مراد شاعرنا من هذا البكاء والشكوى نقل رسالة صادقة أمينة تصورحالة هذا الحبيب عسى أن يعفو ويصفح ويرحم فينال الشاعر مبتغاه ويفوز باللقـــــاء المأمول:

وأشكوك ما قد نلت من ألم، وما

 

 

تحمَّله ضعفي وعالجه جهـــــدي

لكي تعلمي-أم الـبـنين- بأنــــــه

 

 

فـراقـك نارٌ واقـترابـك مـن خُـلْـــــــد

الشاعر والليل:
وكبقية شعراء الغزل نجد الأمير قد أفرد أبياتا كثيرة في قصائده للحديث عن الليل وشجونه، فتارة يشكوه ويتمنى زواله، وتارة أخرى تربط بينهما علاقة ود وحب وصداقة، لأنه سبيل الشاعر الوحيد للفوز بطيف الحبيب وخيال أم البنين " فما ينفك الليل والأمير شريكين متكافئين يتعاونان على استنباط الأعماق والجولان في الآفاق "ومادام الليل فنانا، فإن ارتباط الأمير به كان قويا، فهو يشكو طوله، وتوالي ساعاته ببطء، حتى ليخال وكأن عجلة الزمن قد توقفت عن الدوران، فالنوم جفاه والسهر اضناه:

وماليَ في اللذائذ من نصيب

 

 

تـودع مـنـه مـسلوب الرقاد

ويشكو عبدالقادر لياليه فيحسن الشكوى من جفاء الحبيب وصدوده ويرسم لنا صورة تعيسة فأحزانه تتجدد مع إطلالة كل يوم جديد، يكون الشاعر قد قضى ليله يرعى نجومه، ويعد ساعاته قد جفا النوم مقلتيه اللتين لم تجدا غير الدموع ترسلها حزنا وبكاء، يبيت ليله وكأنه صب تقطعه آلام الفرقة والبعد، فيولي وجهه شطر السماك والجدي يلاحقها بعينيه فكأنه موكل بمراقبتها، متحملا طول الليل ووحشته، يرسم الآمال الكاذبة لنفسه ويمنيها بغد سعيد:

إلام فؤادي بالحبيـب هـتـــــور

 

 

ونار الجوى بين الضلوع تثورُ

وحزني مع الساعات يربو مجددا

 

 

وليلي طويل والمـنـام نـفـــــور

وحتى متى أرعى النجوم مسامرا

 

 

لها ودمـوع الـعـين ثم تفـــــور

أبيت كأني بالسماك مــوكـــــــل

 

 

وعينيَّ حيث الجدي دار تـدور

وعلى الرغم من هذا العذاب الذي يشكوه الشاعر من رفيقه الليل إلا أنه يهواه لا حبا في عذابه وقهره وسهره، ولكنه لحاجة في نفسه، فهو ينتظر لياليه ويرقب قدومها مراقبة العاشق المستهام، يكلف جفنيه النوم فيه، عسى أن يطرق طيف الحبيب أبواب قلبه في غفوته فينال المراد، فنراه يبث شعره شعوره بالوحدة والشوق والبكاء حاثا هذا الطيف الكريم في دعوته لزيارته عله يرى خيال الأحبة فتخبو نار الشوق والحنين ولو إلى حين، وأي تضحية تلك التي يستعذب صاحبها العذاب والألم لقاء نظرة خيال والتمتع بجمال طيف الحبيب ولو في الأحلام:

جفانـيَ مــن أم الـبنـين خيــــــــالُ

 

 

فـقلبي جريـح والدموع سجالُ(291

أحب الليالي كـي أفوز بـطيـفـهـــا

 

 

وأرجو المنى بل قد أقول أنـال

أكلف جفني النوم عـــلِّيَ أن أرى

 

 

مثـالا لـها يسري وليس مثــال

       

والشاعر يعلم مدى قسوة حبيبه وأن هذه الأبيات لن تكون شفيعا لديه فيسارع إلى وساطة غيره ليرسم لهذا الحبيب الصورة البائسة لهذا العاشق الوفي ويشرح لهاحاله وأحواله عسى أن يلين قلبها فترفع عنه غضبها وعقابها، والأمير يقنع بالقليل، فإذا استحال الوصال يرضى بالطيف والخيال، وهو ليس بالمطلب العزيز المحال:

فقولوا لها إن كنت ترضين عيشتي

 

 

فـجـودي بطيف إن يعز وصال

 

 

ثم أليست هذه الحبيبة هي سبب كل هذه المعاناة، جعلت الأمير رفيق الليل وحارس النجوم، وغيره ينعم بالنوم الهانئ، فليلهم لباس ونهارهم معاش يرثون لحال صاحبنا ويتمنون زوال نائبته:

وقد كلفتني الليل أرعـى نجومــــه

 

 

إذا نامه المرتاع، بالبعد والصد

وأخيرا، حين يتنازل حبيب الشاعر من برجه العالي ويقدر هذا الحب والإخلاص، يبادر إلى إرسال الطيف الموعود متفضلا بزيارة عبدالقادر، فيقطع إليه دونه الصحارى والقفار، ويتخطى العوائق، لينزل عليه وهو في غفلة منه إيذانا بانفراج الأزمة، ليهب الشاعر من هول المفاجأة فرحا لقرى ضيفه الغالي الذي طال انتظاره، فيرحب به، ويبذل مسعاه لتوفير كل أسباب الكرم والضيافة، فتراه-من فرحته- يفرش لها خديه ليطأهما الحبيب وهما على غلاوتهما، لايضن الشاعر بشيء عن هذا الزائر الكريم، ويبدأ الأمير وحبيبه يتطارحان أطراف الحديث من حب وعتاب وشكوى وأنين، فقد ذابا في مناجاتهما

وأصبحا مركز العالم لايشعران بما يحيط بهما، والأمير لاينفك يصف عذابه وحرقة جمرات الهوى التي أغرقته في دموع الشوق، وهو صابر ينتظر الفرج وساعة الخلاص كالتي يحياها الآن نشوان سكران بكؤوس الهوى والغرام:

تعسفت الفيفاء في غسق الدجــــى

 

 

فكم قطعت نهرا من الخيل والخـال

أتتني- فدتها النفس-في حين غفلة

 

 

فقلت لها: أهلاً فذا وقتنا خــال

وأفرشتها خدي وقـلـت لها طـــــئي

 

 

فلا تحسبي خدي عليك بذي خــال

ولما تطارحنا الأحاديــث بـيـننـــــــا

 

 

وأحلى تلاقي الخل بالمنزل الخــال

وأبثثْتُها وجدي وما بـين أضلعــــي

 

 

من البعد والأشواق والدمع كالخـال

وحدثتها عن لوعـتـي وتحرقــــــي

 

 

وقطع الليالي بالتأمل كالخــــــــــــال

ولولا الأماني كنت ذبت من الأسى

 

 

أقول، كئيبٌ نال ذلك من خـــــــــال

أروّح نفسي بالأمانيَ، راجيــــــــاً

 

 

سماحة دهر، ضنّ، يرجع كالخـال

 

 

ولاشك أن هذه الأبيات تخلو من جيشان العاطفة وصدق الشعور وانما هي أقرب إلى إظهار البراعة اللغوية، لكنها -على كل حال -نموذج لكتابات كثيرة غزلية شاعت في المشرق والمغرب في عصر الأمير عبدالقادر.