الإقامة الجبرية للأمير

 

 

 

 

 

 

 الامير عبد القادر

لم ترتح السلطة التركية للمجالس التي يعقدها والد الأمير، و ما يدور فيها من آراء، ففرضت على محي الدين الحسني سنة 1821 م .الإقامة الجبرية في وهران، فانتقل عبد القادر مع أبيه إلى تلك المدينة، و أتيح له أن يتعرف بنخبة جديدة من أهل الأدب و العلم، و أن يطلع على ألوان جديدة من الحياة، و أن يزداد إيمانا بفساد الحكم التركي و الحاجة الماسة إلى التطور والإصلاح

وبعد سنتين، أذن لهما الداي التركي باستئناف رحلتهما، بعد تدخل بعض الأشراف كمصطفى بن اسماعيل، وغيره ليواصلا طريقهما عبر المدية إلى تونس وانضما لوفد من الحجاج.
وبعد خمسة عشر يوما وصلا إلى الإسكندرية، حيث توقفا بها بضعة أيام ثم سارا منها إلى القاهرة، حيث حظيا بمقابلة حاكمها محمد علي باشا ، ولم يخطر ببال عبدالقادر الفتى وهو يتأمل هذا الحاكم أنه سيتبع يوما خطاه، وينسج على منواله ويضاهيه في مهاراته العسكرية والإدارية.
وفي القاهرة قابلا أعيان المدينة وكبراءها وجالسا علماءها من أمثال الشيخ علي بن محمد الميلي الجمالي والشيخ محمد المعروف بابن الأمير أحد اصحاب الحواشي المشهورة.
وغادرا مصر وهما يحملان في نفسيهما ذكريات طيبة عن بلد الكنانة، وإعجاباً شديداً بما وصلت إليه الحياة فيها من تقدم وازدهار على يد حاكمها، فاتضحت لهم الحقيقة المرة للحكام الاتراك في الجزائر الذين أخضعوا كل الأمور للسلطة العسكرية وقضوا بذلك على العبقرية الإسلامية في هذا الوطن

ووصل الركب إلى البلد الحرام مهبط الوحي ومهد الرسالة المحمدية الخالدة فأدى الشيخ وفتاه ما فرض عليهما وتشرفا بالوقوف أمام ضريح الرسول صل الله عليه وسلم ثم توجها الى الشام حيث أقاما بدمشق عدة شهور تمكن عبدالقادر أثناءها من حضور حلقات الدروس العلمية التي كان يدرس فيها كبار العلماء بالجامع الأموي وبذلك أضاف عبدالقادر إلى قائمة شيوخه علماء جدد أمثال الشيخ المحدث عبـــدالرحمان الكزيزي،و الشيخ خالد النقشبندي البغدادي الشهرزوري الصوفي الأديب . ومن دمشق ، اتجه محيي الدين وولده إلى دار السلام- بغداد- عاصمة بني العباس وحاضرة العالم الإسلامي  فزار ضريح سيدي عبدالقادر الجيلاني، واجتمعا هناك بعلماء بغداد ، وهناك لبس الشيخ محيى الدين ( الخرقة) القادرية .

ومع العودة الى ارض الوطن حجا ثانية وزارا القاهرة وشهدا فيها احتفال المسلمين بمولد الرسول الحبيب محمد وغادرا مصر بعد انتهاء إقامتهما مودعين بما استقبلا به من حفاوة وإكرام حيث اتجه الموكب سالكا طريقه نحو برقة لزيارة ضريح الجد مصطفى في عين غزالة ناحية درنة، ومنها إلى طرابلس التي غادراها إلى تونس، فالجزائر العاصمة- حيث قابلا الوالي التركي هناك.
وفي يوم مشهود أطل ركب الحجيج على مشارف القيطنة أوائل عام 1243هـ - 1828م بعد غياب دام قرابة السنتين لتعم الأفراح هذه البلدة بعودة شيخها وفتاها فكان يوما مشهودا عمته البهجة والمسرة، وبدأ الناس يتوافدون مهنئين بسلامة العودة والدعوة للشيخ ونجله بطول العمر فأكرم محيي الدين ضيوفه وتقبل تهانيهم داعيا لهم بالخير والرشاد.
وكانت هذه الرحلة المباركة ذات أثر كبير في حياة عبدالقادر الذي أخذ مباشرة بعد عودته في الاعتزال عن الناس والانصراف إلى العبادة والدراسة، منشغلا بكتب الفلاسفة- فقرأ أفلاطون وفيثاغورث وأرسطو ودرس كتابات مشاهير المؤلفين من عهود الخلافة العربية عن التاريخ القديم والحديث وعن الفلسفة واللغة والفلكوالجغرافيا، بل وحتى الطب، واشرأب التصوف من خلال كتب محيى الدين بن عربي وكتب ابن سينا وغيرهما،

 

 
 

 

 

محمد علي باشا

 

قبر الرسول  (ص) من الداخل

 

 
 
 

ا